صلاة الجمعة من كتاب الصلاة - الأراكي، الشيخ محسن - الصفحة ٢٠٨ - الأمر الثالث في نفي القول بوجوبها التخييري
وثالثاً: ولاية الحكم على الناس تعني نفوذ الأمر وحقّ اتّخاذ القرار بشأن الناس جميعاً، وهذا الحقّ أمر بسيط يدور أمره بين الوجود والعدم، فمن يثبت له حقّ أنّ يتّخذ القرار بشأن الناس فله أن يتّخذ القرار بشأن من لا قرار له، كالمجتمع كلّه وكالمتخاصمين وكالغائب والصبي والمجنون، وكذا بشأن من له قرار فيما يصلحه ولا يفسده كسائر أفراد الناس، وهذا هو المراد بقوله تعالى: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ.
وحينئذٍ، فإن ثبت أنّ من له حقّ اتّخاذ القرار بشأن الناس في بعض الأمور كالقضاء بين المتخاصمين وشؤون القاصرين والغائبين هو الفقيه، ثبت أنّ له حقّ اتّخاذ القرار بشأن الآخرين في كل ما يصلحهم؛ لأنّ هذا الحقّ أمره دائر بين الوجود مطلقاً والعدم مطلقاً، ولا يعقل ثبوت هذا الحقّ في بعض الأمور وعدم ثبوته في بعضها الآخر، فإذا ثبت أنّ للفقيه ولاية القضاء والتصرّف في شؤون الغائبين والقاصرين، كشف ذلك عن ثبوت الولاية له مطلقاً، وأنّ له بل عليه أن يقوم بأمر الناس في كل ما يصلحهم من أمور دينهم ودنياهم في حدود القدرة والاستطاعة، وصلاة الجمعة منها إن لم يكن من أهمّها.
ورابعاً: لو غضضنا النظر عن بساطة أمر الولاية، نقول: إنّ المجتمع بحاجة إلى وليّ يمارس شؤون الولاية على المجتمع، ومن شؤون الولاية على المجتمع اتّخاذ القرار في الأمور الاجتماعيّة وكذا الفردية التي يتوقّف عليها إصلاح أمر الناس، فإذا ثبت أنّ الشارع أوكل إلى الفقيه ممارسة بعض شؤون الولاية، كان ذلك كاشفاً عن نصبه للفقيه وليّاً على الناس مطلقاً في جميع شؤونهم؛ وذلك لأنّ الأمر يدور بين فروض أربعة لا خامس لها: إمّا أن لا يكون الإمام قد نصب وليّاً في شؤون الناس ينوب عنه في إدارتها وإصلاحها مطلقاً، أو يكون قد نصب وليّاً في بعض الأمور وأهمل أمرهم في غيرها، أو يكون قد نصب للشؤون الأخرى غير ما ثبتت فيه الولاية للفقيه وليّاً آخر غير الفقيه يتصدّى لها، وكلّ هذه الفروض الثلاثة غير محتمل، فينحصر الأمر في الشقّ الأخير؛ وهو أن يكون قد نصب الفقيه وليّاً على الناس في كل شؤونهم