المدرس الأفضل فيما يرمز و يشار إليه في المطول - مدرس افغاني، محمد علي - الصفحة ٥٨ - الكلام فى إعجاز القرآن
و هذا المقال أنما هو في مقام المماشاة، و الاّ قلنا ان نختار ما سياتي من الغزالي و القاضي الباقلاني، من أنّ الآيات كلها في أعلا درجات مقامات الفصاحة و البلاغة، و ان اختلفت جهات إظهار الفصاحة و البلاغة فيها، بحسب اختلاف المقامات.
فانه لا شك ان البلاغة تقتضي ان يتكلم في كل مقام، بما يقتضيه الحال، من الاسلوب و اللفظ و غيرهما، فقد يكون مقتضى الحال تادية المراد بطريق الكناية، و قد يكون مقتضاه تاديته بطريق الاستعارة، الى غير ذلك من صنوف الكلام، و ضروب بيان المرام.
فالفصاحة الحاصلة في الكلام المشتمل على التصريح، مثل قوله تعالى: (أَحْصَنَتْ فَرْجَهٰا) ، و الحاصلة في الكلام المشتمل على التعريض مثل قوله تعالى: (أَوْ لاٰمَسْتُمُ اَلنِّسٰاءَ و مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ) بحسب مقامهما.
فان الاول: في مقام تنزيه مريم عما نسبه اليها اليهود من الزنا الملازم لكون عيسى ولد الزناء، فالمقام بأهميتها يقتضي التصريح بما ينفي ذلك، و ذلك لا يحصل الا بما ذكر في الاية من كونها محصنة لفرجها، لا بغيره من الصفات الحسنة في النساء.
بخلاف الثاني: فإنها في مقام جعل حكم متفرّع على الجماع او عدمه، فلا يحتاج ذلك الى التصريح به كما هو معلوم عند من له ذوق سليم و عقل مستقيم، و إن كان الثاني أبلغ و ألطف فتأمل.
و كذا الكلام بالنسبة الى الحقيقة و المجاز و غيرهما، فلا يكون القرآن مشتملا على الفصيح و الافصح، و البليغ و الابلغ، بل الكل