المدرس الأفضل فيما يرمز و يشار إليه في المطول - مدرس افغاني، محمد علي - الصفحة ٥٧ - الكلام فى إعجاز القرآن
المصنف و ما يقرب منه.
فانّ الفرق بين «يٰا أَرْضُ اِبْلَعِي مٰاءَكِ» و «تَبَّتْ يَدٰا أَبِي لَهَبٍ» من قبيل الأمثال في الشهرة، فان كان الباري تعالى قادرا على جعل كل الايات في غاية مرتبة الفصاحة و لم يجعل، يلزم البخل بل نقض الغرض، بعد فرض كون الفصاحة من جهات الاعجاز فيه، و إلا يلزم العجز عليه تعالى و هذه الشبهة أوهن من نسج العنكبوت لو كانوا يعلمون.
توضيح ذلك: إنا نختار انه تعالى قادر عليه، كما انه قادر على كل شيىء، لكن ترك ذلك لا يستلزم البخل و لا نقض الغرض، اذ المقصود من تنزيل القرآن تذكرة الناس، و تعليمهم الاحكام، و إرشادهم عن الضلال، و تنبيههم عن الغفلة و هدايتهم الى طريق الصواب.
و لا دخل للفصاحة في شيىء منها، إلاّ للأوحديّ من الناس، الذي يجعلها مستند الاعجاز الكاشف عن ارتسامه بقلم القدرة، و صدوره عن لسان الغيب، و يكفي بالنسبة اليه كونه في مرتبة الفصاحة، بحيث يعجز الفصحاء عن الاتيان بمثل آية منه، و إن لم يكن جميع آياته في غاية مرتبة الفصاحة، مضافا الى ما سيأتي من بعض العلماء، من أنه لو جاء القرآن كله على الوجه الأفصح لكان على غير النمط المعتاد في كلام العرب، من الجمع بين الافصح و الفصيح، فلا يتم الحجة في الاعجاز، اذ للناس ان يقولوا للنبي صلّى اللّه عليه و آله:
أتيت بما لا قدرة لنا على جنسه، كما لا يصح من البصير ان يقول للأعمى قد غلبتك بنظري فتأمل.