المدرس الأفضل فيما يرمز و يشار إليه في المطول - مدرس افغاني، محمد علي - الصفحة ٣١٣ - المقدمة فى معرفة الفصاحة و البلاغة
لأنه اذا كتب في كل يوم كتابا واحدا، اجتمع من كتبه اكثر من هذه العدة المشار اليها، و اذا نخلت و غربلت و اختير الأجود منها اذ لا تكون كلها جيدة، فيخلص منها النصف، و هو خمسة أجزاء.
و اللّه يعلم: ما اشتملت عليه من الغرائب و العجائب، و ما حصل في ضمنها من المعاني المبتدعة.
على ان الحريري، قد كتب في أثناء مقاماته رفاعا في مواضع عدة فجاء بها منحطة عن كلامه في حكايات المقامات، لا بل جاء بالغث البارد، الذي لا نسبة له الى باقي كلامه فيها.
و له-ايضا-كتابة أشياء خارجة عن المقامات، و اذا وقف عليها: اقسم ان قائل هذه، ليس قائل هذه، لما بينهما من التفاوت البعيد.
و بلغني عن الشيخ ابى محمد ابن الخشاب النحوي، انه كان يقول: «ابن الحريري رجل مقامات» اي: انه لم يحسن من الكلام المنثور سواها، و ان اتى بغيرها: لا يقول شيئا.
فانظر أيها المتأمل: الى هذا التفاوت، في الصناعة الواحدة من الكلام المنثور.
و من أجل ذلك، قيل: شيئان لا نهاية لهما، البيان، و الجمال.
و على هذا: فاذا ركب اللّه تعالى في الانسان، طبعا قابلا لهذا الفن. فيفتقر-حينئذ-الى ثمانية انواع من الآلات:
النوع الأول: معرفة-علم العربية-: من النحو و الصرف.
النوع الثاني: معرفة ما يحتاج اليه من-اللغة-: و هو المتداول المألوف استعماله، في فصيح الكلام، غير الوحشي الغريب، و لا المستكره المعيب.