فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٧٧ - رؤية الهلال ومعطيات العلم الحديث الشيخ قاسم الإبراهيمي
وأمّا اليوم حيث تحضرت المجتمعات ، وبات الاطّلاع على حركة الكواكب والأقمار القريبة ـ ومنها قمرنا ـ أمرا في متناول الجميع ، وغدا التحديد لها في غاية الدقّة ، فلا موجب للتقيُّد بالعلامات السماويّة إلاّ بمقدار ما تكشف لنا عن حقيقة الظاهرة . ومع حصول العلم بتحقق الظاهرة موضوع الحكم في الواقع يجب ترتيب الآثار عليها وإن لم تحصل الرؤية .
وقد يستدلّ على اعتبار تشكل الهلال الواقعي مناطا في دخول الشهر بقوله تعالى : {يسألونك عن الأهلّة قل هي مواقيت للناس والحجّ } (١٣)؛ فإنّه جعل الأهلّة مواقيت للناس في صومهم وإفطارهم وأيّام شهورهم وسنيِّهم وللحجّ ، والمراد من الأهلّة الأهلّة بوجودها الواقعي لا العلمي أو العلائمي ؛ لأنّ ظاهر أخذ شيء في لسان دليل حكمٍ أنّه مأخوذ بوجوده الواقعي والحقيقي ؛ إذ إسناد التوقيت إليه يكون مجازيا حينئذٍ ، وإنّما الإسناد الحقيقي إلى العلامة عليه والعلم به .
ويظهر الفرق بين هذه الفرضية والفرضية الاُولى في الفاصل الزماني بين تشكّل الهلال وصيرورته مرئيا ؛ فإنّ علماء الفلك ذكروا أنّ القمر يدخل بعد خروجه من خطّ المحاذاة منطقة تحت الشعاع ، وهي منطقة يكون فيها بعض وجه القمر المغمور بأشعة الشمس في مواجهة الأرض ، لكن ضآلة النور الساقط عليه ـ إذ يكون ذلك النور في أطراف القمر ؛ فيشبه حالة الأصيل التي تحدث قبيل الغروب فيكون فيها نور الشمس ضعيفا ـ مضافا إلى بعض الظواهر الكونية المؤثّرة ، تجعله غير قابل للرؤية أصلاً .
وتختلف تقديرات الفلكيين والفقهاء في مقدار هذا الفاصل الزماني طولاً وقصرا بين (٢٤ ) و ( ١٥ ) ساعة .
(١٣) البقرة : ١٨٩.