المحلى بالآثار - ابن حزم - الصفحة ٩٨
ممن رهنه له غنمه وعليه غرمه [١] وقالوا: قد أجمع الصحابة على تضمين الرهن والمرتهن أمين فيما زاد من قيمة الرهن على قيمة دينه * قال أبو محمد: أما قولهم: ان المرتهن أمين فيما فضل من قيمة الرهن على قيمة دينه فدعوى فاسدة وتفريق بلا دليل وما هو الا أمين في الكل أو غير أمين في الكل، وأما قولهم: أجمع الصحابة على تضمين الرهن فقول جروا فيه على عادتهم الخفيفة على ألسنتهم من الكذب على الصحابة بلا مؤنة، ويا للمسلمين هل جاء في هذا كلمة عن أحد من الصحابة الاعن عمر. وعلى. وابن عمر فقط، فأما عمر فلم يصح عنه ذلك لانه من رواية عبيد بن عمير وعبيد لم يولد الا بعد موت عمر أو أدركه صغيرا لم يسمع منه شيئا: وأما ابن عمر فلا يصح عنه لا نه من رواية ابراهيم بن عمير عنه وهو مجهول، وقد روى عنه يترادان الفضل، وأما على فمختلف عنه في ذلك وأصح الروايات عنه اسقاط التضمين فيما أصابته جائحة كما أوردنا آنفا ثم أعجب شئ دعواهم ان الصحابة أجمعوا على تضمين الرهن فان صح ذلك فهم قد خالفوا الاجماع لانهم لا يضمنون بعض الرهن وهو ما زاد من قيمته على قيمة الدين فهذا حكمهم على أنفسهم، وأما الحديث الذى ذكروا فمرسل ولا حجة في مرسل، ثم لو صح لما كان لهم فيه حجة أصلا لانه لا يدل على شئ من قولهم، ولا تقسيمهم وانما مقتضاه لو صح هو ان قوله: لا يغلق الرهن ممن رهنه، بضم الرامو كسر الهاء له غنمه وعليه غرمه فوجب ضمان الرهن على المرتهن ولابد بخلاف قولهم، وقوله: (لا يغلق الرهن من صاحبه له غنمه وعليه غرمه) ان كان أراد بصاحبه مالكه وهو الاظهر فهو يوجب أن خسارته منه ولا يضمنه له المرتهن، وان كان أراد بصاحبه المرتهن فهو يوجب ضمانه له بكل حال فصار حجة عليهم بكل وجه وبطل قولهم، ونقول لهم في أي الاصول وجدتم شيئا واحدا رهنا كله عن دين واحد بعضه مضمون وبعضه أمانة وأنتم تردون السنن بخلافها بالاصول بزعمكم ثم تخالفونها جهارا بلا نص، وأما من قال: يترادان الفضل فما نعلم لهم حجة أصلا الا أنه استحسان وكأنه لما كان الرهن مكان الدين تقاضا فيه وهذا رأى، والدين لا يؤخذ بالآراء، وأما من قال، ذهبت الرهون بما فيها فانهم احتجوا بخبر رويناه من طريق مصعب بن ثابت عن عطاء أن رجلا
[١] الحديث رواه ابن ماجة في سننه مختصرا، قال العلامة ابن الاثير في النهاية: يقال غلق الرهن يغلق غلوقا إذا بقى في يد المرتهن لا يقدر راهنه على تخليصه، والمعنى أنه لا يستحقه المرتهن إذا لم يستفكه صاحبه، وكان هذا من فعل الجاهلية ان الراهن إذا لم يؤد ما عليه في الوقت المعين ملك المرتهن الرهن فأبطله الاسلام *