المحلى بالآثار - ابن حزم - الصفحة ١٥
بعض قوتهم، وأما قوله تعالى: (والذين لا يجدون الا جهدهم) فمثل هذا أيضا، وأما قولهم جهد المقل ففى حديث أبى هريرة هذه اللفظة المرصولة بقوله عليه السلام: (وابدأ بمن تعول) فبين هذا القول انه جهده بعد كفاف من تعول، وكذلك حدثنا أبى مسعود أيضا وانما كان لرجل درهمان فتصدق باجود هما فكذلك أيضا وقد يكون له ضيعة أوله غلة تقوم به فتصدق بأحد درهمين كاناله ولم يقل عليه السلام: انه لم يكن له غيرهما، فان ذكروا صدقة أبى بكر بما يملكه قلنا: هذا لا يصح لانه من طريق هشام بن سعد وهو ضعيف [١] عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: سمعت عمر يقول: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصدقة فوافق ذلك ما لا عندي فقلت: اليوم أسبق أبا بكران سبقته يوما [ قال ]: فجئت بنصف ما لى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أبقيت لاهلك؟ قلت مثله وأتى أبو بكر بكل ما عنده فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أبقيت لاهلك؟ قال: أبقيت لهم الله ورسوله. * قال أبو محمد: ثم لو صح لم يكن لهم فيه حجة لانه بلا شك كانت له دار بالمدينة معروفة ودار بمكة وأيضا فان مثل أبى بكر لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم ليضيعه فكان في غنى، فصح بما ذكرنا أن من نذران يتصدق بجميع ماله مجملا أو منوعا على سبيل القربة إلى الله تعالى لم يلزمه أن يتصدق منه إلا بما أبقى لنفسه ولاهله غنى كما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم كعب بن مالك وغيره، (فان ذكروا حديث سعد في الوصية) قلنا: هو عليكم لان أمر الوصية غير أمر الصدقة المنفذة في الحياة باتفاق منا ومنكم، وأيضا فقد منعه عليه السلام من الصدقة بنصفة وأنتم لا تقولون هذا، وليس لاحد أن يوصى بأكثر من الثلث ولو ترك ألف ألف دينار أو أكثر ويرد ما زاد على ذلك وأنتم لا تقولون: برد ما نفذ من الصدقة بأكثر من ثلثه في حياته، وبالله تعالى التوفيق * وأما من نذر نحر نفسه أو ابنه فروينا من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرني يحيى ابن سعيد الانصاري قال: سمعت القاسم بن محمد بن أبى بكر يقول: سئل ابن عباس عمن نذر أن ينحر ابنه؟ فقال: لا ينحر ابنه وليكفر عن يمينه فقيل لابن عباس. كيف تكون في طاعة الشيطان كفارة فقال ابن عباس: الذين يظاهرون ثم جعل فيه من الكفارة ما رأيت * قال أبو محمد: لا حجة لابن عباس في هذه الآية، أول ذلك انه لم يجعل هو في طاعة الشطان التى شبهها بطاعته في الظهار الكفارة التى في الظهار ويكفى هذا، ثم لو طرد هذا القول لوجبت في كل معصية كفارة يمين وهذا لا يقوله هو ولا غيره، وقد صح عنه فيمن
[١] هو ضعيف كما قال المصنف، وهذا الحديث رواه أبو داود والترمذي وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح