المحلى بالآثار - ابن حزم - الصفحة ٢٨٢
بنص القرآن فليسقطوا عن قصاص الجنايات في أموال الناس ودمائهم والا فقد تناقضوا أقبح تناقض وهذا هو التعاون على الاثم والعدوان جهارا * ورابعها وهو أفحشها في التناقض انفاذه ما فعل من التبذير المفسد حقا وبيوع الغبن [١] قبل أن يحجر عليه القاضى ورده ما فعل من الصدقة والعتق بعد حجر القاضى عليه فكان حكم القاضى أنفذ من حكم الله تعالى ولا كرامة لوجه القاضى كائنا من كان فما جعل الله تعالى قط حكم القاضى محللا ولا محرما إنما القاضى منفذ بسلطانه على من امتنع فقط لا خصلة له غيرها ولا معنى سوى هذا والا فليأتونا بآية. أو سنة بخلاف هذا ويأبى الله من ذلك، وهذا كله لا ندرى من أين أخذوه؟ * وخامسها إبطاله جميع أفعاله وان كانت رشد اما لم يفك القاضى عنه الحجر وهذه كالتى قبلها * وسادسها اجازته أن يعطيه الولى نفقة شهر يطلق يده عليها فليث شعرى من أين خرج هذا التقسيم العجيب؟ وما الفرق بين اطلاق يده على نفقة شهر وبين اطلاقها على نفقة سنة أو نفقة سنتين؟ فان قالوا: نفقة شهر قليلة قلنا: قد يكون مال تكون نفقة شهر فيه كثيرا ويكون مال نفقة عشرة أعوام فيه قليلا، ولا يخلو دفع ماله إليه من أن يكون واجبا. أو حراما فان كان واجبا فدفعه كله إليه واجب. وان كان حراما فقليل الحرام حرام، وهذا بعينه أنكروا على أصحاب أبى حنيفة في اباحتهم قليل المسكر وتحريمهم كثيره * وسابعها انفاذهم أفعال الفساق الظلمة المتعدين على المسلمين بكل بائقة المبتاعين للخمور المنهمكين في أجر الفسق إذا كانوا جماعين للمال من أي وجه أمكن بالظلم وغيره فيجيزون بيعهم وشراءهم وهباتهم وان كانت في الاغلب والاظهر لغير الله تعالى، وان أتى ذلك على كل ما يملكونه وبقوا بعده فقراء متكففين فانفذوا منه التبذير الذى حرم الله تعالى والبسط الذى يقعد عليه بعده ملوما محسورا وردهم العتق والصدقة بدرهم وان كان ذامال عظيم ممن يخدع في البيوع ويصفونه بأنه لا يحسن ضبط ماله فأى تناقض أفحش ممن يجعل أصله بزعمه ضبط المال وحفظه؟ ثم يجيزون من واحد اعطاء ماله كله حتى يبقى هو وعياله جاعة وينفذونه عليه ويمنعون آخر من عتق عبد وصدقة بدرهم وابتياع فاكهة يأكلها ووراءه من المال ما يقوم بأمثاله وأمثال عياله، ثم يجعلون أصله بزعمهم دفع الخديعة له عن ماله وهم يجيزون الخديعة المشكوفة في المال العظيم لغيره، فما هذا البلاء وما هذا التخاذل وكم هذا التناقض؟ والحكم في الدين بمثل هذه الاقوال بلا قرآن. ولا سنة. ولا قول صاحب. ولا قياس. ولا رأى له وجه يعقل ونعوذ بالله من البلاء * وقال الشافعي بمثل هذا كله الا
[١] في النسخة رقم ١٤ (وبيوع العين) وهو تصحيف