المحلى بالآثار - ابن حزم - الصفحة ٣٢٨
بلا شك فنحن ان قلنا: ان مراد الله تعالى باطلاقه للفقير أن يأكل بالمعروف انما هو من مال نفسه كنا على يقين وصحة من أن الله تعالى قد أراد هذا واباحته بلا شك، وكان من نسب إلى الله تعالى ما لا يشك في صحته محسنا مصيبا صادقا فوجب الوقوف عند هذا الذى لا تبعة على قائله فيه ووجدنا من أخبر ان مراد الله تعالى بقوله: (فليأكل بالمعروف) انه من مال اليتيم مخالف ليقين تحريمه تعالى أموال اليتامى ناسبا إلى الله تعالى برأيه ما لا علم له به، وهذا حرام لا يحل، فبطل هذا القول جملة والحمد لله رب العالمين * نا أبو سعيد الفتى نا أبو بكر محمد بن على بن ألادفوى نا أبو جعفر أحمد بن محمد بن اسماعيل ابن النحاس عن محمد بن جعفر بن حفص عن يوسف بن موسى نا قبيصة عن سفيان الثوري عن الاعمش عن الحكم بن عتيبة عن مقسم عن ابن عباس في قوله تعالى: (ومن كان غنيا فليستعفف) قال ابن عباس: معناه لا يأكل من مال اليتيم قال: (ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف) قال ابن عباس: يقوت على نفسه حتى لا يحتاج إلى مال اليتيم وبه إلى ابن النحاس نا جعفر بن مجاشع نا ابراهيم بن اسحق نا ابراهيم بن عبد الله نا حجاج - هو ابن محمد - عن ابن جريج عن عطاء الخراساني عن ابن عباس نسخت الظلم والاعتداء ونسختها: (ان الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما انما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا) * قال على: كلتا الروايتين عن ابن عباس متفقة مؤديتان إلى منع الوصي الغنى والفقير من أكل شئ من مال اليتيم وبه نقول، والرواية عن عمر بن الخطاب وعن ابنه رضى الله عنهما في الاستقراض موافقة لقولنا في انه احراز لمال اليتيم، فحصل قولنا وهو قول الصحابة رضى الله عنهم * (فان قيل): كيف تقولون هذا؟ وأنتم تقولون: الفقير هو الذى لا يملك شيئا أصلا، قلنا وبالله تعالى التوفيق هو كما قلنا ليس في قولنا هنا مناقضة لما قدمنا لاننا قد علمنا أن كل حى في الارض فلو لا انه له رزق رزقه الله تعالى اياه مياومة ما عاش قال الله تعالى: (خلقكم ثم رزقكم) فإذ لابد من رزق يعاش به فما ذلك الرزق قلنا: انه يأكل بالمعروف وهواما من عمل أو صدقة أو احتشاش وما أشبه ذلك * وروينا من طريق البخاري انه عليه السلام قال للرجل الذى أراد أن يتزوج المرأة التى عرضت نفسها عليه. (التمس شيئا ولو خاتما من حديد فلم يجد فقال: أمعك من القرآن شئ قال: نعم) الحديث، فهذا رجل يعلم النبي صلى الله عليه وسلم انه لا شئ معه غير ازاره لا ما يلبس ولا ما يفضل عنه ولا خاتم حديد فما فوقه وبيقين يدرى انه قد أكل ما أقام قوته ولو لا ذلك ما قدر على النكاح ولا على المشى إذ مشى يلتمس شيئا فلم يجدو هو في غاية الفقر، فمثل هذا أن يأكل