المحلى بالآثار - ابن حزم - الصفحة ٣٠٥
لم يبق لنفسه شيئا أصلا هكذا في الحديث أنه لم يكن له مال غيرهم، وهذا عند نا مردود الفعل صحيحا كان أو مريضا، ولا يجوز لاحد في ماله عتق تطوع. ولا صدقة تطوع. ولا هبة يبت بها إلا فيما أبقى غنى كما قال عليه السلام: (الصدقة عن ظهر غنى) وقد أبطل رسول الله صلى الله عليه وسلم عتق انسان صحيح لم يكن له مال غيره كما روينا من طريق البخاري. واحمد بن شعيب قال البخاري: نا عاصم بن على وقال أحمد: انا عبيدالله بن سعد بن ابراهيم نا أبى وعمى - هو يعقوب بن ابراهيم بن سعد - ثم اتفق عاصم. وسعد. ويعقوب أبناء ابراهيم قالوا كلهم: نا ابن أبى ذئب عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله أن رجلا أعتق عبداله لم يكن له مال غيره فرده رسول الله صلى الله عليه وسلم وابتاعه منه نعيم بن النحام قال الزهريون في روايتهم: فرده عليه السلام فهذا إسناده كالشمس لا يسع أحدا خلافه، فصح أن النبي صلى الله عليه وسلم انما رد عتق أولئك الاعبد لان معتقهم لم يكن له مال غيرهم، وكان عتقه عليه السلام لثلثهم والله أعلم كما روى في بعض الاخبار أنه عليه السلام قال لكعب بن مالك إذ جعل على نفسه إذ تاب الله عليه: (يجزيك من ذلك الثلث) وإن كان هذا اللفظ لا يصح لكن أنه عليه السلام قال له: أمسك عليك بعض مالك فأمسك سهمه بخيبر، فقد يكون ذلك المعتق له في أربعة منهم غنى، وبرهان هذا أن الرواية الثانية في ذلك الخبر أنه عليه السلام انما أعتق اثنين وأرق اربعة ولم يذكر قيمة، والثلث عند المحتجين بهذا الخبر لا يكون هكذا أصلا ولا يكون الا بالقيمة * ووجه رابع وهو أننا روينا هذا الخبر من طريق مسلم نا اسحق بن ابراهيم - هو ابن راهويه - وابن أبى عمر كلاهما عن الثقفى - هو عبد الوهاب بن عبد المجيد - عن أيوب السختيانى عن أبى قلابة عن أبى المهلب عن عمران بن الحصين أن رجلا أوصى عند موته فاعتق ستة مملوكين لم يكن له مال غيرهم فدعا بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم [ فجزأهم أثلاثا ثم أقرع بينهم ] [١] فأعتق اثنين وأرق اربعة وقال له: قولا شديدا) فصح أن ذلك العتق انما كان وصية ولا خلاف أنها من الصحيح والمريض سواء لا تجوز إلا بالثلث، فان كانت الروايتان حديثا واحدا وهو الاظهر الذى لا يكاد يمكن ولا يجوز غيره فقد ارتفع الكلام وبطل تعلقهم به وان كانا خبرين وهذا ممكن بعيد فكلاهما لنا وموافق لقولنا ومخالف لقولهم، وعلى كل حال فليس في شئ منه ذكر لمرض ولا لفعل في مرض أصلا ولا لان الرد إنما كان لان العتق وقع في مرض وبالله تعالى التوفيق * فبطل عنهم كل ما موهوا به من الآثار التى هم أول مخالف لها وعادت كلها لنا عليهم حجة *
[١] الزيادة من صحيح مسلم ج ٢ ص ٢٣ (م ٣٩ ج ٨ المحلى)