المحلى بالآثار - ابن حزم - الصفحة ٤٥٦
حاضر على أعرابي ولا يبيع له فخطأ خامس بلا دليل * فهذه وجوه خمسة مخالفة للخبر المذكور لا دليل على صحة شئ منها لا من قرآن. ولا من سنة. ولا من رواية سقيمة. لا من قياس: ولا من رأى له وجه. ولا من قول أحد قبله [١] لا صاحب. ولا تابع، وأما قوله: لا يشير الحاضر على البادى فان من قال بهذا احتج بما روى في بعض هذه الاخبار من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض) * قال أبو محمد: وهذا لا حجة لهم فيه أصلا ولا في هذا اللفظ ما توهموه من الميل على أهل البادية. لا نص. ولا أثر. ولا شبهة بوجه من الوجوه لانه عليه السلام لم يقل: دعوا الحاضرين يرزقهم الله من أهل البادية انما قال: دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض وأهل البدو من الناس كما أهل الحضر سواء سواء ولا فرق، فيدخل في هذا اللفظ رزق الله تعالى للبادى من الحاضر. واللبادى من البادى وللحاضر من البادى وللحاضر من الحاضر دخولا مستويا لامزية لشئ من ذلك على شئ آخر منه فبطل ذلك الظن الكاذب، ولا يحل من بيع البادى والحاضر الا ما يحل من بيع الحاضر للحاضر ولا فرق * فان قالوا: انما نهى عن أن يبيع له قسنا على ذلك أن لا يشير عليه قلنا: القياس كله باطل ولو كان حقا لكان هذا منه عين الباطل لانكم تركتم أن تمنعوا من الشراء له قياسا على البيع له وهو بيع مثله وقستم الاشارة على البيع وليست منه في ورد ولا صدر، ولا يختلفون في أن امرءا لو شاور آخر بعد النداء للجمعة في بيع فأشار عليه لم يحرج ولا أتى مكروها ولو باع أو اشترى لعصى الله تعالى وان من حلف أن لا يبيع فأشار في أمر بيع لم يحنث، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الدين النصيحة لله ولرسوله ولكتابه وللائمة ولجماعة المسلمين) والبادى من المسلمين فالنصحية له فرض، ولو أراد الله تعالى أن لا يشار عليه لنص على ذلك كما نص على البيع على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد ذكرنا النصيحة للبادى آنفا من طريق عمر بن الخطاب. وطلحة بن عبيد الله ولا مخالف لهما في ذلك من الصحابة، وقد جاء في ذلك أثر كما روينا من طريق سعيد بن منصور نا حماد بن زيد عن عطاء بن السائب عن حكيم بن أبى يزيد عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض فإذا استنصح الرجل أخاه فلينصح له) * وأما أبو حنيفة فلم يحتج إلى تطويل لكن خالف رسول الله صلى الله عليه وسلم في نهيه عن أن يبيع حاضر لباد بنقل التواتر، وخالف ما جاء في ذلك عن الصحابة رضى الله عنهم دون أن يعرف لهم منهم مخالف وهم يشنعون بأقل من هذا،
[١] في النسخة ١٦ (نعلمه)