المحلى بالآثار - ابن حزم - الصفحة ٤٥٥
من الاعراب رخصة، وهو قول الاوزاعي، وسفيان الثوري. وأحمد. واسحاق. والشافعي. وأبى سليمان. ومالك. والليث، قال [١] الاوزاعي: لا يبيع له ولكن يشير عليه وليست الاشارة بيعا الا أن الشافعي قال: ان وقع البيع لم يفسخ، وقال الليث. ومالك: لا يشير عليه، وقال مالك: لا يبع الحاضر أيضا لاهل القرى ولا بأس بأن يشترى الحضار للبادى انما منع من البيع له فقط، ثم قال: لا يبع مدنى لمصري ولا مصرى لمدني ولكن يشير كل واحد منهما على الآخر ويخبره بالسعر، وقال أبو حنيفة: يبيع الحاضر للبادى لا بأس بذلك * قال أبو محمد: أما فسخنا للبيع فانه بيع محرم من انسان منهى عن ذلك البيع وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) وناقض الشافعي ههنا إذ لم يبطل هذا البيع وأبطل سائر البيوع المنهى عنها بلا دليل مفرق، وأما من قال: ان النهى عن ذلك ليصاب غرة من البدوى وأنه نظر للحاضرة فباطل حاش لرسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا، وهو الذى قال فيه ربه تعالى: (بالمؤمنين رؤف رحيم) وأهل البدو مؤمنون كاهل الحضر فنظره وحياطته عليه السلام للجميع سواء، ويبطل هذا التأويل الفاسد من النظر الصحيح ان ذلك لو كان نظرا لاهل الحضر لجاز للحاضر أن يبيع للبادى من البادى وأن يشترى منه لنفسه وكلا الامرين لا يجوز، فصح أن هذه علة فاسدة وأنه لا علة لذلك أصلا الا الانقياد لامر الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم * وأما قول مالك فخطأ من جهات، أما تفريقه بين البيع للبادى فمنع منه وبين الشراء له فاباحه فخطأ ظاهر لان لفظة لا يبع يقتضى أن لا يشترى له أيضا كما قال أنس بن مالك وهو حجة في اللغة وفى الدين، والعرب تقول: بعت بمعنى اشتريت قولا مطلقا وإذا اشترى له من غيره فقد باع من ذلك الغير له يقينا بلا تكلف ضرورة، وقد قال تعالى: (فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع) فحرموا الشراء كما حرموا البيع وأحلوا ههنا الشراء له وحرموا البيع له، وأما قول مالك: لا يبع لاهل القرى فخطأ لان اسم البادى لا يقع عند العرب على ساكن في المدن البتة وانما يقع على أهل الاخبية. والخصوص المنتجعين مواقع القطر للرعى فقط، وأما تفريقه بين من كان من أهل الدين بمنزلة أهل المدن وبين سائر أهل القرى فخطأ ثالث بلا دليل أصلا * وأما قوله، لا يبع مدنى لمصري ولا مصرى لمدني فخطأ رابع لا دليل عليه البتة ولا نعلم أحدا قاله قبله، وانما تفريقه بين المدنى والمصري فرأى أن يشير كل واحد منهما على الآخر ولا يبيع له ولم ير أن يشير
[١] في النسخة ١٦ (وقال)