المحلى بالآثار - ابن حزم - الصفحة ٤٣٦
ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتقى في الله تعالى أحد ا ولا يحكم في شئ من الدين بغير الوحى من ربه تعالى، ولا يجوز له السكوت [١] على الباطل فلا ينكره لانه كان يكون غير مبين وقد أمره الله تعالى بالبيان والتبليغ (٢) والامر بالواجبات وتفصيل الحرام فسكوته خارج عن هذين الوجهين وليس غيره كذلك، وطول المدد لا يعيد الباطل حقا أبدا ولا الحق باطلا، ويلزم المخالف لهذا أن من قيل له: يا كافر فسكت أنه قد لزمه حكم الكفر، ومن قيل له: انك طلقت أامرأتك فسكت أن يلزمه الطلاق، وان من قتل ولده - وهو يرى - فسكت انه قد بطل طلبه ولزمه الرضى وهم لا يقولون بشئ من هذا * وقال أبو حنيفة. وأصحابه: من باع مال آخر بغير أمره فلصاحب المال اجازة ذلك أو رده، واحتجوا بالخبر الثابت عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم في الذى استأجر أجيرا بفرق من ذرة فاعطيته فابى فعمدت إلى ذلك الفرق فزرعته حتى اشتريت منه بقرا وراعيها ثم جاء فقال: يا عبد الله أعطني حقى فقلت: انطلق إلى تلك البقر وراعيها فقال: أتستهزئ بى قلت: ما استهزئ بك ولكنها لك فذكر الخبر وان الله فرج عنهم الصخرة المطبقة على فم الغار، فان هذا خبر لا حجة لهم فيه لوجوه بل هو حجة عليهم ومبطل لقولهم، فاولها أن ذلك كان فيمن قبلنا ولا تلزمنا شررائعهم * والثانى انه ليس فيه ان الاجارة كانت بفرق ذرة بعينه بل ظاهره انه كان بفرق ذرة في الذمة فإذ ذلك كذلك فلم يبع له شيئا بل باع ماله ثم تطوع بما أعطاه وهذا حسن وهو قولنا * والثالث أنه حتى لو كان فيه أنه كان فرقا بعينه وانه كان في الاسلام لما كان لهم فيه حجة لانه أعطاه أكثر من حقه فرضى وأبرأه من عين حقه، وكلاهما متبرع بذلك من غير شرط، وهذا جائز عندنا حسن جدا، وأما كونه حجة عليهم فان فيه أنه عرض عليه حقه فأبى من أخذه وتركه ومضى فعلى أصلهم قد بطل حقه إذ سكت عن أخذه فلا طلب له فيه بعد ذلك * واحتجوا بما رويناه من طريق ابن أبى شيبة نا سفيان ابن عيينة عن شعيب بن غرقدة عن عروة البارقى: (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاه دينارا يشترى له به شاة قال: فاشتريت له شاتين فباع احدا هما بدينار فأتى النبي صلى الله عليه وسلم بدينار وشاة فدعاله بالبركة) * ورويناه أيضا من طريق أبى داود نا الحسن بن الصباح نا أبو المنذر نا سعيد بن زيد نا الزبير بن الحرث عن أبى لبيد عن عروة الباقرقى فذكره * ومن طريق ابن أبى شيبة عن وكيع عن سفيان عن أبى حصين عن رجل من أهل المدينة عن حكيم ابن حزام: (ان النبي صلى الله عليه وسلم بعثه ليشترى له أضيحة بدينار فاشتراها ثم باعها بدينارين
[١] في النسخة ١٦ سكت ٢ في النسخة ١٦ بالبيان بالتبليغ