المحلى بالآثار - ابن حزم - الصفحة ٤٣٥
يوقن بفساد شئ من ماله فسادا يتلف به قبل أن يشاور فانه يبيعه له الحاكم أو غيره ونحو ذلك ويشترى لاهله مالابد لهم منه ويجوز ذلك أو ما بيع عليه بحق واجب لينتصف غريم منه، أو في نفقة من تلزمه نفقته فهذا لازم له حاضرا كان أو غائبا رضى أم سخط * برهان ذلك قول الله تعالى: (ولا تكسب كل نفس الا عليها) وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ان دماءكم وأموالكم وأعراضكم وأبشاركم عليكم حرام) فليس لاحد أن يحل ما حرم الله تعالى من ماله. ولا من بشرته. ولا من عرضه: ولا من دمه إلا بالوجه الذى أباحه به نص القرآن. أو السنة، ومن فعل ذلك فهو مردود لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهورد) والسكوت ليس رضى الا من اثنين فقط، أحدهما رسول الله صلى الله عليه وسلم المأمور بالبيان الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه الذى لا يقر على باطل، والذى ورد النص بان ما سكت عنه فهو عفو جائز، والذى لا حرام الا ما فصل لنا تحريمه ولا واجب إلا ما أمرنا به فما لم يأمرنا به ولانها نا عنه فقد خرج عن أن يكون فرضا أو حراما فبقى أن يكون مباحا ولابد، فدخل سكوته الذى ليس أمرا ولا نهيا في هذا القسم ضرورة * والثانى البكر في نكاحها للنص الوارد في ذلك فقط، وأما كل من عدا ما ذكرنا فلا يكون سكوته رضى حتى يقر بلسانه بأنه راض به منفذ، ويسأل من قال: ان سكوت من عدا هذين رضى ما الدليل على صحة قولكم: ان الرضى يكون بالسكوت وان الانكار لا يكون الا بالكلام؟ ومن أين قلتم ذلك؟ فان ادعوا نصا كذبوا وان ادعوا علم ضرورة كابروا لان جمهور الناس مخالفون لهم في ذلك وهم لا يعرفون الضرورة التى يدعون ولا فرق بين دعواهم على غيرهم على الضرورة ههنا وبين دعوى غيرهم عليهم علم الضرورة في بطلان ذلك، وفى أن الانكار يكون بالسكوت وأن الرضى لا يكون الا بالكلام فبطلت الدعوتان لتعارضهما ولم يبق الا أن الساكت ممكن أن يكون راضيا وممكن أن يكون غير راض، وهذا هو الذى لا شك فيه، والرضا يكون بالسكوت وبالكلام، والانكار يكون بالسكوت وبالكلام، فإذ ذلك كذلك فانما هو الظن فقط ولا تحل الاموال المحرمة بالظن قال تعالى: (ان الظن لا يغنى من الحق شيئا) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ٠ (اياكم والظن فان الظن أكذب الحديث)، فان قالوا: قسنا ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى نكاح البكر قلنا: القياس باطل ثم لو كان حقا لكان ههنا في غاية الباطل لان من عدا رسول الله صلى الله عليه وسلم يسكت [١] تقية أو تدبيرا في أمره وتروية أو لانه يرى أن سكوته لا يلزمه به شئ وهذا هو الحق،
[١] في النسخة ١٦ ولم يبق الا الساكت