المحلى بالآثار - ابن حزم - الصفحة ٣٦٠
وترك الاجل يفسد السلم عندهم ويصحح البيوع التى يقع فيها الربا حتى لا تصح إلا به فكيف والمعنى فيما راموا الفرق بينه واحد؟ وهو أن المتصارفين لم يملكا شيئا ولا تبايعا أصلا قبل التقابض، وكل متبايعين فلم يتم بينهما بيع اصلا قبل التفرق أو التخيير متصارفين كانا أو غير متصارفين، فان تفرق كل من ذكرنا بأبدانهم قبل ما يتم به البيع فمن كان قد عقد عقدا أبيح له تم له بالتفرق ومن كان لم يعقد عقدا أبيح له فليس ههنا شئ يتم له بالتفرق، وقالوا أيضا متعقبين لكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم رادين عليه: المتبايعان انما يكونان متبايعين ماداما في حال العقد لا بعد ذلك كالمتضار بين والمتقاتلين [١]، فمن المحال أن يكونا متبايعين متفاسخين معا * قال أبو محمد: وهذا كلام من لا عقل له. ولا علم. ولا دين. ولا حياء لانه سفسطة باردة ونعم فان المتبايعين لا يكونان متبايعين إلا في حين تعاقدهما لكن عقدهما بذلك ليس بشئ ولا يتم الا بالتفرق أو التخيير بعد العقد كما أمر من لا يحرم دم أحد الا باتباعه أو بجزية يغرمها ان كان كتابيا وهو صاغر * ومن طريف نوادرهم احتجاجهم في معارضة هذا الخبر بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: البيعان بالخيار ما لم يتفرقا إلا أن تكون صفقة خيار ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله) قالوا: فالاستقالة لا تكون إلا بعد تمام البيع وصحة انتقال الملك * قال على: قبل كل شئ فهذا حديث لا يصح ولسنا ممن يحتج لنفسه بما لا يصح وقد أعاذنا الله تعالى من ذلك ولو صح لكان موافقا لقولنا إلا في المنع من المفارقة خوف الاستقالة فقط فلسنا نقول به لان الخبر المذكور لا يصح ولو صح لقلنا بما فيه من تحريم المفارقة على هذه النية وليست الاستقالة المذكورة في هذا الخبر ما ظن هؤلاء الجهال وانما هي فسخ النادم منهما للبيع رضى الآخر أم كره لان العرب تقول استقلت من علتى واستقلت ما فات عنى إذا استدركه، والبرهان على صحة قولنا هذا وعلى فساد تأويلهم وكذبه هو أن المفارقة بالابدان لا تمنع من الاستقالة التى حملوا الخبر عليها بل هي [٢] ممكنة ابدا ولو بعد عشرات أعوام فكان الخبر على هذا لا معنى له ولا حقيقة ولا فائدة، فصح أنها الاستقالة التى تمنع منها المفارقة بلا شك وهى التفرق بالابدان الموجب للبيع المانع من فسخه ولابد لا يمكن غير هذا ولا بحتمل لفظ الخبر معنى سواه البتة، فصار هذا الخبر ثقلا عليهم على ثقل لانهم صححوه وخالفوا ما فيه وأبا حوا له مفارقته خشى أن يستقيله أو لم يخش * قال على: هذا كل ما موهوا به وكله عائد عليهم ومبدى تخاذل علمهم [٣] وقلة فهمهم
[١] في النسخة الحلبية (والمتقابلين)
[٢] في النسخة رقم ١٦ (إذ هي)
[٣] في النسخة رقم ١٤ (لتخاذل علمهم)