المحلى بالآثار - ابن حزم - الصفحة ٣٥٦
كما قال تعالى: (فبلغن أجلهن) انما أراد تقاربن بلوغ أجلهن، وقال آخرون منهم: انما أراد بقوله عليه السلام: (ما لم يتفرقا) انما هو ما بين قول أحدهما قد بعتك سلعتي هذه بدينار فهو بالخيار ما لم يقل له الآخر قد قبلت ذلك وبين قوله لصاحبه قد ابتعت سلعتك هذه بدينار فهو بالخيار ما لم يقل له الآخر: قد بعتكها بما قلت، وقال آخرون: انما هو ما بين قول القائل بعنى سلعتك بدينار فهو بالخيار ما لم يقل له الآخر: قد فعلت وبين قول القائل اشتر منى سلعتي هذه بدينار فله الخيار ما لم يقل له الآخر قد فعلت * فجواب هذه الاقوال كلها واضح مختصر وهو أن يقال: كذب قائل هذا وأفك وأثم لانه حرف كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مواضعه بلا برهان أصلا لكن مطارفة ومجاهرة بالدعوى الباطل، فمن أين لكم هذه الاقوال؟ ومن أخبركم بان هذا هو مراده عليه السلام؟ وأما قولكم: كما سمى الذبيح ولم يذبح فما سماه الله تعالى قط ذبيحا ولا صح ذلك أيضا قط عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا كان هكذا فانما هو قول مطلق عامى لا حجة فيه وانما أطلق ذلك من أطلق مسامحة أو لانه حمل الخليل عليه السلام السكين على حلقه وهذا فعل يسمى من فاعله ذبحا وما نبالي عن هذه التسمية لا نها لم يأت بها قط قرآن. ولا سنة فلا يقوم بها حجة في شئ أصلا * وأما قوله تعالى: (فبلغن أجلهن) فصدق الله تعالى وكذب من قال: انه تعالى أراد المقاربة حاش لله من هذا، ولو كان ما ظنوه لكان الامساك والرجعة لا يجوز إلا في قرب بلوغ الاجل لا قبل ذلك وهذا باطل بلا خلاف. وتأويل الآية موافق لظاهرها بلا كذب ولا تزيد وانما أراد تعالى بلا شك بلوغ المطلقات أجل العدة بكونهن فيها من دخولهن اياها إلى اثر الطلاق إلى خروجهن عنها وهذه المدة كلها للزوج فيها الرجعة والاسماك بلا خلاف أو التمادي على حكم الطلاق، وحتى لو صح لهم ما أطلقوا فيه الباطل لكان لا متعلق لهم به لانه ليس [١] إذا وجد كلام قد صرف عن ظاهره بدليل وجب أن يصرف كل كلام عن ظاهره بلا دليل، وفى هذا افساد التفاهم والمعقول والشريعة كلها، فكيف ورواية عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن النبي عليه السلام قال: (كل بيعين لابيع بينهما حتى يتفرقا) فاضح لهذا الكذب كله ومبطل لتخصيص بعض من يقع عليه اسم بيع من سائر من يقع عليه هذا الاسم، وقالوا: هذا التفريق المذكور في الحديث هو مثل التفريق المذكور في قوله تعالى: (وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته) فقلنا: نعم بلا شك وذلك التفرق المذكور في الآية تفرق بالقول يقتضى التفرق بالابدان ولابد، والتفرق المذكور في الحديث كذلك أيضا تفرق بالقول يقتضى التفرق
[١] في النسخة الحلبية (إذ ليس)