المحلى بالآثار - ابن حزم - الصفحة ٢٨٦
منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم) فينبغي أن يعرف ما الرشد الذى أمر الله تعالى من أو نس منه بدفع ماله إليه فنظرنا في القرآن الذى هو المبين لنا ما ألزمنا الله تعالى اياه فوجدناه كله ليس الرشد فيه الا الدين. وخلاف الغى فقط لا المعرفة بكسب المال أصلا قال تعالى: (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغى فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى) وقال تعالى: (أولئك هم الراشدون) وقال تعالى: (وما أمر فرعون برشيد) فصح أن من بلغ مميزا للايمان من الكفر فقد أونس منه الرشد الذى لا رشد سواه أصلا فوجب دفع ماله إليه وما يشك مؤمن ولا كافر أن فرعون وأصحابه كانوا أشد عناية بالمال وأضبط له وأكثر وأعرف بوجوه جمعه من موسى عليه السلام وأن فرعون لم يكن قط مغبونا في ماله ولقد أتى موسى عليه السلام. والخضر عليه السلام إلى أهل قرية فاستطعماهم فأبوا أن يضيفوهما فباتا ليلتهما بغير قرى وما بلغ فرعون في ملكه قط هذا المبلغ، وكذلك لا شك في أن المقنطر من قريش كأبى لهب. والوليد ابن المغيرة. وابن جدعان كانوا أبصر وأسرع إلى كسب المال من أي وجه أمكن من مساعاة الاماء. والربا وغير ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم * روينا من طريق مسلم نا أبو بكر ابن أبى شيبة. وعمرو الناقد قالا جميعا: حدثنا أسود بن عامر [١] نا حماد بن سلمة عن هشام بن عروة. وثابت البنانى قال هشام: عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين وقال ثابت: عن أنس ثم اتفق أنس. وأم المؤمنين فذكرا حديث تلقيح النخل وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أنتم أعلم بأمر دنياكم) [٢] فصح ان الرشد ليس هو كسب المال ولا منعه من الحقوق ووجوه البر بل هذا هو السفه وانما الرشد طاعة الله تعالى وكسب المال من الوجوه التى لا تثلم الدين ولا تخلق العرض وانفاقه في الواجبات وفيما يتقرب به إلى الله تعالى للنجاة من النار. وابقاء ما يقوم بالنفس والعيال على التوسط والقناعة فهذا هو الرشد، وقال تعالى: (سأصرف عن آياتى الذين يتكبرون في الارض بغير الحق وان يروا كل آية لا يؤمنوا بها وان يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وان يروا سبيل الغى يتخذوه سبيلا) وهكذا كل مكان في القرآن ذكر فيه الرشد، وكذلك لم نجد في شئ من لغة العرب أن الرشد هو الكيس في جمع [٣] المال وضبطه فبطل تأويلهم في الرشد بالآية. وفى دفع المال بايناسه، وصح أنها موافقة لقولنا وان مراد الله تعالى يقينا بها انما هو أن من بلغ عاقلا مميزا مسلما وجب دفع ماله إليه وجاز فيه من جميع أفعاله ما يجوز
[١] في النسخة رقم ١٦ (سويد بن عامر) وهو غلط
[٢] هو في صحيح مسلم ج ٢ ص ٢٢٣
[٣] في النسخة رقم ١٤ (في كسب)