المحلى بالآثار - ابن حزم - الصفحة ١٦٩
(كونوا قوامين بالقسط) ولتصويب رسول الله صلى الله عليه وسلم قول سلمان أعط كل ذى حق حقه، ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مطل الغنى ظلم) فسجنه مع القدرة على انصاف غرمائه ظلم له ولهم معا وحكم بما لم يوجبه الله تعالى قط ولا رسوله صلى الله عليه وسلم، وما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم سجن قط * روينا من طريق أبى عبيد القاسم بن سلام نا أحمد بن خالد الوهبى عن محمد بن اسحاق عن محمد بن على بن الحسين قال: قال على بن أبى طالب: حبس الرجل في السجن بعد ما يعرف ما عليه من الدين ظلم وقال الحنيفيون: لا يباع شئ من ماله لكن يسجن وان كان ماله حاضرا حتى يكون هو الذي ينصف من نفسه، ثم تناقضوا فقالوا: الا ان كان الدين دراهم فتوجد له دنانير أو يكون الدين دنانير فتوجد له دراهم فان الذى يوجد له من ذلك يباع فيما عليه منها [١] فليت شعرى ما الفرق بين بيع الدنانير وابتياع دراهم وبين بيع العروض وابتياع ما عليه؟ وانما أوجب الله تعالى علينا وعلى كل أحد انصاف ذى الحق من أنفسنا ومن غير نا ومنع تعالى من السجن بقوله تعالى: (فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه) وافترض حضور الجمعة والجماعات فمنعوا المدين من حضور الصلوات في الجماعة. ومن حضور الجمعة. ومن المشى في مناكب الارض، ومنعوا صاحب الحق من تعجيل انصافه وهم قادرون على ذلك فظلموا الفريقين * واحتجوا بآثار واهية، منها رواية من طريق أبى بكر بن عياش عن أنس (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حبس في تهمة) * ومن طريق عبد الرزاق عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حبس في تهمة) * ومن طريق أبى مجلز (ان غلامين من جهينة كان بينهما غلام فأعتقه أحدهما فحبسه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى باع غنيمته) وعن الحسن (أن قوما اقتتلوا فقتل بينهم قتيل فبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فحبسهم) * قال أبو محمد: كل هذا باطل، أما حديث أنس ففيه أبو بكر بن عياش وهو ضعيف وانفرد عنه أيضا ابراهيم بن زكريا الواسطي ولا يدرى من هو، وحديث بهزبن حكيم عن أبيه عن جده ضعيف، ومن هذه الطريق بعينها فيمن منع الزكاة [٢] (انا آخذوها وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا)، فان احتجوا به في الحبس في التهمة فليأخذوا بروايته هذه والا فالقوم متلاعبون بالدين، فان قالوا: هذا منسوخ قيل لهم: أترون خصمكم يعجز عن أن يقول لكم: والحبس في التهمة منسوخ بقوله صلى الله عليه وسلم: (اياكم والظن فان
[١] في النسخة رقم ١٤ والحلبية (فيما عليه منهما) والضمير في نسختنا عائد إلى الدراهم أو الدنانير
[٢] في النسخة رقم ١٦ (ومن هذه الطريق نفسها في منع الزكاة) (م ٢٢ ج ٨ المحلى)