المحلى بالآثار - ابن حزم - الصفحة ١١٥
الديناران؟ قال: قضيتهما يا رسول الله قال: الآن بردت عليه جلده)، وبخبرين آخرين لا يصحان أحدهما (نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه) والآخر فيه انه عليه السلام قال لعلى إذا ضمن دين الميت: (فك الله رهانك كما فككت رهان أخيك) * قال أبو محمد: وهذا من العجب [١] احتجاجهم باخبار هي أعظم حجة عليهم أما فك الله رهانك كما فككت رهان أخيك فليس فيه دليل ولا نص على ما يدعونه من بقاء الدين على المضمون عنه، ونحن نقول: انه قد فك رهانه بضمانه دينه فقط فانه حول دينه على نفسه [٢] حيا كان المضمون عنه أو ميتا، وأما نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه فليس فيه أنه حكم المضمون عنه ولا أنه حكم من لم يمطل بدينه بعط طلب صاحبه اياه منه، ونحن نقول: ان المطالب بدينه في الآخرة انما هو من مطل به وهو غنى فصار ظالما فعليه اثم المطل أعسر بعد ذلك أو لم يعسروان كان حق الغريم فيما يتخلف من مال أو في سهم الغارمين من زكوات المسلمين ان لم يخلف مالا، وقد يمكن أن يعفوا الله تعالى عنه ذنب المطل إذا قضى عنه مما يخلف أو من سهم الغارمين أو قضاه عنه الضامن ففى هذا جاءت الاحاديث في تشديد أمر الدين، وأما من لم يمطل قط به فلم يظلم واذلم يظلم فلا اثم عليه ولا تبعة وحق الغريم ان مات الذى عليه الدين فيما يتخلف أو في سهم الغارمين والظالم حينئذ من مطله بعد موت الذى عليه الدين من ورثة أو سلطان ولا اثم على الميت أصلا لقول الله تعالى: (لا يكلف الله نفسا الا وسعها) وهو لم يمطل في حياته فلم يظلم واذ لم يظلم في حياته فليس في وسعه الانصاف بعد موته وانما عليه الاقرار به فقط وبالله تعالى التوفيق [ وبه نتأيد ] [٣] * وأما حديث أبى قتادة من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل فاعظم حجة عليهم لو كان لهم مسكة انصاف [٤] لان فيا نصا قول النبي صلى الله عليه وسلم للضامن عن الميت: (حق الغريم عليك وبرئ منهما الميت، قال الضامن: نعم) أليس في هذا كفاية لمن له مسكة دين أو أقل تمييز؟ ولكنهم قوم مفتونون، فان قيل: فما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم إذا قضاهما: (الآن بردت عليه جلده)؟ قلنا: هذا لا متعلق فيه في بقاء الدين عليه الميت ولا في رجوعه عليه لان نص الخبر قد ورد فيه بعينه: (ان الميت قد برئ من الدين وان حق الغريم على الزعيم) فلا معنى للزيادة في هذا، وأما قوله عليه السلام: (الآن بردت عليه جلده) فقد أصاب عليه السلام ما أراد وقوله الحق لا نشك فيه لكن نقول: انه قد يكون تبريد زائد دخل عليه حين
[١] في النسخة رقم ١٦ (وهذا من العجائب) بصيغة الجمع
[٢] في النسخة الحلبية (عن نفسه)
[٣] الزيادة من النسخة رقم ١٦
[٤] أي بقية من انصاف