تنقيح الأصول - الخميني، السيد روح الله - الصفحة ٣٨٦ - الفصل التاسع هل تختصّ الخطابات الشفاهيّة بالحاضرين في مجلس الخطاب أو تعمّ الغائبين عنه بل المعدومين؟
و أمّا الإشكال في الفرض الأوّل- أي الخطاب المشتمل على أحرف النداء- فلا يمكن الجواب عنه بالقضيّة الحقيقيّة لكن أجاب عنه الشيخ (قدس سره) بأنّه يمكن خطاب المعدوم بعد تنزيله منزلة الموجود [١]، كما وقع نظيره في الأشعار العربيّة.
قلت: ما ذكره (قدس سره) و إن أمكن في نفسه و في حدّ ذاته، لكن لا دليل على أنّ خطابات القرآن المجيد كذلك، و الممكن الواقع- و ما دلّ عليه الدليل أيضاً- أن يقال:
إنّ الخطابات القرآنيّة الصادرة من اللَّه تعالى، ليست خطابات لفظيّة مخاطباً بها الناس كقوله تعالى- مثلًا-: «يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا ...»* [٢]؛ لعدم إمكان ذلك؛ لعدم لياقة الناس لأن يكلّمهم اللَّه تعالى بلا واسطة، إلّا أنبياء اللَّه (عليهم السلام) الذين بلغوا في الكمالات ما بلغوا، حتّى صاروا لائقين بأن يخاطبهم اللَّه و يكلّمهم، و إلّا فيستحيل أن يُكلّمهم اللَّه مع عدم لياقتهم لذلك، حتّى الحاضرين في مجلس الخطاب، بل لم يثبت وجود مجلس خطاب عند صدور الحكم و نزول الوحي، و قد عرفت أنّ أحرف النداء موضوعة لإيجاده، لا للنداء الحقيقي، كما في «الكفاية» [٣]، و هو جزئيّ حقيقيّ يوجد في آنٍ، ثمّ ينعدم و ينقطع في الآن الثاني، و لا بقاء له، فلا يمكن نداء المعدوم و خطابه، بل الخطابات القرآنيّة الإلهيّة خطابات قانونيّة كتبيّة، كما هو دأب جميع العقلاء و ديدنهم من الموالي العرفيّة؛ حيث إنّهم في مقام جعل القوانين يكتبون ذلك و لو بنحو النداء و الخطاب، ثمّ يأمرون المُبلِّغين بنشرها و تبليغها بين الناس، فمن اطّلع عليها يعلم بأنّه مكلّف و مخاطب بها لا بالخطاب الشخصي، فكذلك الخطابات القرآنيّة خطابات كتبيّة، نزل بها جبرئيل على قلب سيِّد المرسلين (صلى الله عليه و آله و سلم) فإنّه مخاطب بتبليغ مثل «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا»* و نحوه إلى الناس، و لم يكن (صلى الله عليه و آله و سلم) أيضاً واسطة فيه؛ بأن
[١]- مطارح الأنظار: ٢٠٤ سطر ٣٢.
[٢]- النساء: ١.
[٣]- كفاية الاصول: ٢٦٨.