إعراب القرآن - الزجاج - الصفحة ٦٦٩ - الباب السادس و الثلاثون
و الذي أجازه أبو الحسن أقوى من هذا في القياس، و ذلك أن خبر المبتدأ يشبه الفاعل من حيث لم يكن مستقلا بالمبتدأ، كما كان الفعل مستقلا بالفاعل، و قد دخلت على الفاعل فيما تدخله بعد، فكذلك يجوز دخولها على الخبر.
و قد تحتمل الآية وجهين غير ما ذكر أبو الحسن:
أحدهما-أن تكون الباء مع ما قبلها في موضع الخبر، و تكون متعلقة بمحذوف، كما يقال: ثوب بدرهم، و لا يمتنع هذا من حيث قبح الابتداء بالنكرة، لمعنى العموم فيه و حصول الفائدة به.
و الآخر-أن تكون الباء من صلة المصدر و تضمر الخبر/لأنك تقول:
جزيتك بكذا، فيكون التقدير: جزاء سيئة بمثلها واقع، أو كائن.
الثالث: دخولها على الفاعل المبنىّ على فعله، و ذلك في موضعين:
أحدهما-قوله: «و كفى باللّه» .
و الآخر قولهم في التعجب: أكرم به.
فالدلالة على زيادتها أن قولهم: «كفى باللّه» «و كفى اللّه» واحد، و أن الفعل لم يسند إلى فاعل غير المجرور. و في التنزيل: (وَ كَفىََ بِاللََّهِ شَهِيداً) * [١] ، (وَ كَفىََ بِاللََّهِ حَسِيباً) * [٢] ، (وَ كَفىََ بِجَهَنَّمَ سَعِيراً) [٣] ، و التقدير في كل هذا:
كفاك اللّه شهيدا، و كفاك اللّه حسيبا، و كفت جهنم سعيرا؛ و كذلك: (وَ كَفىََ بِنََا حََاسِبِينَ) [٤] ، أي: كفيناك حاسبين. قال الشاعر:
كفى الشيب و الإسلام للمرء ناهيا [٥]
[١] النساء: ٧٩ و ١٦٦
[٢] النساء: ٦، الأحزاب: ٣٩.
[٣] النساء: ٥٥.
[٤] الأنبياء: ٤٧.
[٥] عجز بيت لسحيم، صدره
عميرة ودع إن تجهزت غاديا
و الشاهد فيه ورود فاعل «كفى» مجردا عن الباء.