التنقيح - الحكيم، السيد محمد سعيد - الصفحة ٧٠ - الإيراد الثالث على لزوم الحرج و جوابه
فالنافي للعمل بالظن فيما نحن فيه ليس إلا قاعدة الاحتياط الآمرة باحراز الاحتمالات الموهومة و ترك العمل بالظنون المقابلة لتلك الاحتمالات، و قد فرضنا أن قاعدة الاحتياط ساقطة بأدلة نفي العسر و الحرج.
ثم لو فرضنا ثبوت الحرمة الذاتية للعمل بالظن و لو لم يكن على جهة التشريع، لكن عرفت سابقا عدم معارضة عمومات نفي العسر لشيء من العمومات المثبتة للتكليف المتعسر ١.
[الإيراد الثالث على لزوم الحرج و جوابه]
و منها: أن الأدلة النافية للعسر إنما تنفي وجوده فى الشريعة بحسب أصل الشرع أولا و بالذات، فلا تنافي وقوعه بسبب عارض لا يسند إلى الشارع، و لذا لو نذر المكلف أمورا عسرة، كالأخذ بالاحتياط في جميع الأحكام الغير المعلومة، و كصوم الدهر، أو احياء الليالي، أو المشي إلى الحج، أو الزيارات، لم يمنع تعسرها عن انعقاد نذرها، لأن الالتزام بها إنما جاء من قبل المكلف، و كذا لو اجر نفسه لعمل شاق لم يمنع مشقته من صحة الاجارة و وجوب الوفاء بها.
و حينئذ فنقول: لا ريب أن وجوب الاحتياط باتيان كل ما يحتمل الوجوب و ترك كل ما يحتمل الحرمة إنما هو من جهة اختفاء الأحكام الشرعية المسبب عن المكلفين المقصرين في محافظة الآثار الصادرة عن
(١) حيث تقدم حكومتها على العمومات المذكورة، و عدم ملاحظة الترجيح بينهما، و حينئذ يتعين حكومتها على عموم حرمة العمل بالظن، و حمله على غير صورة الانسداد التي يلزم من الرجوع إليه فيها العسر. هذا و قد عرفت أن المعارض لعموم حرمة العمل بالظن هو قاعدة قبح ترجيح المرجوح على الراجح لا قاعدة نفي العسر و الحرج. فلاحظ.