الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ٨٤
الخامسة: أن يكون جواب الشّرطين محذوفا. فليس من الاعتراض نحو وَ لا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي [هود: ٣٤] الآية، و كذلك وَ امْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها [الأحزاب: ٥٠] الآية، خلافا لجماعة من النحويّين منهم ابن مالك و حجّتنا على ذلك أنّا نقول: نقدّر جواب الأوّل تاليا له مدلولا عليه بما تقدّم عليه، و جواب الثاني كذلك، مدلولا عليه بالشّرط الأوّل و جوابه المقدّمين عليه. فيكون التقدير في الأولى:
إن أردت أن أنصح لكم فلا ينفعكم نصحي إن كان اللّه يريد أن يغويكم فإن أردت أن أنصح لكم فلا ينفعكم نصحي، و كذا التقدير في الثّانية. و مثل ذلك أيضا بيت الحماسة: [البسيط]
[٦٢٤]- لكنّ قومي و إن كانوا ذوي عدد
ليسوا من الشّرّ في شيء و إن هانا
فتدبّره فإنّه حسن.
و إذ قد عرفت أنّا لا نريد شيئا من هذه الأنواع بقولنا: «اعتراض الشّرط على الشّرط»، فاعلم أنّ مرادنا نحو: «إن ركبت إن لبست فأنت طالق»، و قد اختلف أوّلا في صحة هذا التركيب؛ فمنعه بعضهم على ما حكاه ابن الدّهّان، و أجازه الجمهور.
و استدلّ بعض المجيزين بالآيات السابقة، و قد بيّنا أنّها ليست ممّا نحن فيه لا في ورد و لا صدر و إنّما الدليل في قوله سبحانه: وَ لَوْ لا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ إلى قوله لَعَذَّبْنَا [الفتح: ٢٥] فالشّرطان و هما (لو لا) و (لو) قد اعترضا و ليس معهما إلا جواب واحد متأخّر عنهما، و هو (لعذّبنا)، و في آية أخرى على مذهب أبي الحسن و هي قوله سبحانه: إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ [البقرة: ١٨٠]، فإنّه زعم أنّ قوله جلّ ثناؤه: الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ [البقرة: ١٨٠] على تقدير الفاء أي: (فالوصية.) فعلى مذهبه يكون ممّا نحن فيه؛ و أمّا إذا رفعت الْوَصِيَّةُ ب كُتِبَ* فهي كالآيات السابقات في حذف الجوابين. و هذان الموطنان خطرا لي قديما و لم أرهما لغيري. و ممّا يدلّ عليه أيضا قول الشاعر: [البسيط]
[٦٢٥]- إن تستغيثوا بنا إن تذعروا تجدوا
منّا معاقل عزّ زانها كرم
[٦٢٤] - الشاهد لقريط بن أنيف أحد شعراء بلعنبر في خزانة الأدب (٧/ ٤٤١)، و شرح ديوان الحماسة للمرزوقي (ص ٣٠)، و شرح شواهد المغني (١/ ٦٩)، و المقاصد النحوية (٣/ ٧٢)، و بلا نسبة في شرح شواهد المغني (٢/ ٦٤٣)، و مجالس ثعلب (٢/ ٤٧٣)، و مغني اللبيب (١/ ٢٥٧).
[٦٢٥] - الشاهد بلا نسبة في خزانة الأدب (١١/ ٣٥٨)، و الدرر (٥/ ٩٠)، و شرح الأشموني (٣/ ٥٩٦)، و شرح التصريح (٢/ ٢٥٤)، و مغني اللبيب (٢/ ٦١٤)، و المقاصد النحوية (٤/ ٤٥٢)، و همع الهوامع (٢/ ٦٣).