الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ١٠٣
حال الأهل من حيث هم هم، و لا يكون للقرية أثر في ذلك. و نحن نجد بقية الكلام مشيرا إلى القرية نفسها، ألا ترى إلى قوله تعالى: فَوَجَدا فِيها [الكهف: ٧٧]، و لم يقل: عندهم، و أن الجدار الذي قصد إصلاحه و حفظ ما تحته جزء من قرية مذمومة مذموم أهلها، و قد تقدّم منهم سوء صنيع من الآباء عن حقّ الضيف مع طلبه. و للبقاع تأثير في الطباع، فكانت هذه القرية حقيقة بالإفساد و الإضاعة، فقوبلت بالإصلاح لمجرد الطاعة، فلم يقصد إلّا العمل الصالح، و لا مؤاخذة بفعل الأهل الذين منهم غاد و رائح، فلذلك قلت: إن الجملة يتعيّن من جهة المعنى جعلها صفة لقرية، و يجب معها الإظهار دون الإضمار.
و ينضاف إلى ذلك من الفوائد أنّ الأهل الثاني يحتمل أن يكونوا هم الأول أو غيرهم، أو منهم و من غيرهم، و الغالب أنّ من أتى قرية لا يجد جملة أهلها دفعة، بل يقع بصره أولا على بعضهم، ثم قد يستقرئهم، فلعلّ هذين العبدين الصالحين لما أتيا قدّر اللّه لهما، لما يظهر من حسن صنيعه استقراء جميع أهلها على التدريج، ليبيّن به كمال رحمته، و عدم مؤاخذته بسوء صنيع بعض عباده. و لو أعاد الضمير فقال: «استطعماهم»، تعيّن أن يكون المراد الأولين لا غير، فأتى بالظاهر إشعارا بتأكيد العموم فيه، و أنّهما لم يتركا أحدا من أهلها حتى استطعماه و أبى، و مع ذلك قابلاهم بأحسن الجزاء. فانظر إلى هذه المعاني و الأسرار كيف غابت عن كثير من المفسرين، و احتجبت تحت الأستار، حتى ادّعى بعضهم أنّ ذلك تأكيد، و ادّعى بعضهم غير ذلك، و ترك كثير التعرّض لذلك رأسا.
و بلغني عن شخص أنّه قال: إنّ اجتماع الضميرين في كلمة واحدة مستثقل، فذلك لم يقل: «استطعماهم». و هذا شيء لم يقله أحد من النّحاة و لا له دليل، و القرآن و الكلام الفصيح ممتلئ بخلافه، و قد قال تعالى في بقيّة الآية: «يضيّفوهما»، و قال تعالى: فَخانَتاهُما [التحريم: ١٠]، و قال تعالى: حَتَّى إِذا جاءَنا [الزخرف: ٣٨] في قراءة الحرميّين و ابن عامر [١]. و ألف موضع هكذا، فهذا القول ليس بشيء، و ليس هو قولا حتّى يحكى، و إنّما لمّا قيل نبّهت على ردّه. و من تمام الكلام في ذلك أنّ «استطعما» إذا جعل جوابا فهو متأخّر عن الإتيان، و إذا جعل صفة احتمل أن يكون اتّفق قبل الإتيان هذه المرّة، و ذكر تعريفا و تنبيها على أنّه لم يحملهما على عدم الإتيان لقصد الخير. و قوله: «فوجدا» معطوف على «أتيا».
فهذا ما فتح اللّه عليّ، و الشّعر يضيق عن الجواب، و قد قلت: [الطويل]
[١] انظر تيسير الداني (ص ١٥٩).