الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ٢٢٧
يكون كحل عين زيد أحسن، و لأن لا يكون، بأن يكونا متساويين، و «ما رأيت رجلا يحسن» محتمل لأن يكون كحل عين زيد أحسن و أزيد كما تقدّم، و لأن لا يكون، بأن يكون أنقص، فقد تساوى المدلولان في الجملة و هو على ما فيه أقرب من الأوّل للقبول.
و قد يقال: إن قولك: «ما رأيت رجلا أحسن في عينه الكحل» و إن كان منصبّا على نفي الزّيادة في عين الرّجل و هي تصدق بالمساواة و بنقصانها عن عين زيد، فالمراد في الاستعمال الأخير؛ يوضّح لك ذلك أنّك تقول: «ما رأيت أفضل من زيد» تقصد إثبات الأفضليّة له، قال من نعلم من محقّقي المفسّرين في قوله تعالى: وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ [البقرة: ١١٤]، و فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ [الزمر:
٣٢] المعنى: لا أحد أظلم من أولئك، و تكلّموا على الجمع بينهما بكلام يذكر في موضعه. و قولك: «ما رأيت رجلا يحسن في عينه الكحل حسنه في عين زيد» [١] و إن كان منصبّا على نفي المماثلة و هي تصدق بشيئين بالزّيادة و النّقص، كما سبق وضوح الأمرين حسب ما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة عن النبي صلّى اللّه عليه و سلّم أنّه قال: «من قال حين يصبح و حين يمسي سبحان اللّه و بحمده سبحان اللّه العظيم مائة مرّة، لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل ممّا جاء به، إلّا رجل قال مثل ما قال أو زاد عليه» [٢] و لو قيل إنّ أو بمعنى الواو كان تكلّفا و ما سبق أولى فتأمّله، لكنّ المراد في الاستعمال إثبات الزّيادة للثاني قضاء لحقّ التّشبيه، و يوضّح ذلك البحث البيانيّ في قوله تعالى: وَ لَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى [آل عمران: ٣٦]. و نظير ما ذكرناه هنا في التراكيب من قصرها في الاستعمال على أحد ما يقتضيه وضع اللّفظ قصر بعض المفردات على ذلك عرفا، نحو: (الدابّة) في الأجناس و: إن عمرا ... البيت.
في الأعلام بالغلبة، هذا شيء يوافق عليه من مارس اللّغة العربية، و لم يجمد على القواعد الجدليّة.
الثاني: من تعليل الجمهور لرفع أفعل الظاهر أنّه لو لم يرفع الظاهر، و رفع إمّا على أنّه مبتدأ مخبر عنه بالكحل أو خبره الحكل تقدّم عليه، لزم منه أمر ممتنع و هو الفصل بين أفعل و معموله بأجنبيّ منه و معنى الأجنبي أنّه غير معمول له عمل الفعل فيه، و إلّا فالفصل بالخبر أو بالمبتدأ و الخبر، و معموله فصل بمعموله عند من يرفع أحدهما بالآخر، و الفصل بين العائد و معموله بالأجنبيّ لا يجوز، لأنّهما كالكلمة الواحدة.
[١] انظر الكتاب (٢/ ٢٩).
[٢] أخرجه مسلم في صحيحه (٤/ ٢٠٧١) رقم الحديث (٢٦٩٢) .