الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ٢٥٧
التفسير يكون الحدّ الأوسط و هو (أسمعهم) مختلفا: هو في الجملة الأولى بمعنى:
لأسمعهم إسماع لطف بهم و رحمة لهم، فسمعوا و آمنوا و استقاموا، و في الجملة الثانية بمعنى: و لو أسمعهم إسماع فتنة لهم و ابتلاء فسمعوا و دخلوا في الإيمان لتولّوا و ارتدّوا، و لا شكّ أنّ إسماع اللّطف و الرّحمة غير إسماع الابتلاء و الفتنة. و إذا لم يكن الأوسط متّحدا لم يكن الإنتاج لازما.
الجواب الثاني: سلّمنا اتّحاد الأوسط، لكن لا نسلّم إنتاج القياس المؤلّف من متّصلتين كما هو رأي جماعة من المتأخرين، فإنّهم قالوا: لا يلزم من صدق: كلّما كان ا ب: ج د، و كلّما كان ج د: ه ز، ا ب: ه ز لأنّ الكبرى تدلّ على ملازمة الأكبر للأوسط في نفس الأمر، و الصّغرى تدلّ على صدق الأوسط فلا نسلّم أنّه يلزم من صدق المقدّمتين ملازمة الأكبر للأصغر و إنّما يلزم ذلك لو بقيت الملازمة بين الأوسط و الأكبر على ذلك التقدير لازمة. و لك أن تعتبر مثل هذا في الآية الكريمة فتنزّل قوله تعالى: وَ لَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا على أنّ التولّي لازم للإسماع في نفس الأمر و لَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ على أنّ الإسماع ثابت على تقدير ثبوت عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً فلا يلزم من ذلك: (لو علم الله فيهم خيرا لتولوا) لأنّ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً محال فجاز أن يستلزم صدقه رفع التلازم في قوله تعالى:
وَ لَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا و معاندة اللازم فيه لأنّ المحال فيه يستلزم المحال.
الجواب الثالث: سلّمنا إنتاج القياس المؤلّف من متّصلتين كما هو رأي الإمام و من قبله لكن لا نسلّم أنّ في اللازم عنه في الآية الكريمة إشكالا فإنّه يصدق لو علم اللّه فيهم خيرا لتولّوا على دعوى أنّ تولّيهم ثابت على كلّ تقدير، فثبت على تقدير علم اللّه فيهم خيرا لتولّوا. فإن قلت: فعلم اللّه فيهم خيرا لازم لعدم التولّي فيكون ملزوما له. قلت: لأنّ علم اللّه فيهم خيرا محال فيجوز أن يستلزم شيئا و نقيضه لأنّ المحال لا يستبعد أن يستلزم المحال و اللّه سبحانه و تعالى أعلم.
الادّكار بالمسائل الفقهيّة لأبي القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجّاجي النحويّ رضي اللّه عنه
بسم اللّه الرحمن الرحيم قال أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي النحوي رحمه اللّه تعالى:
أما بعد: حفظك اللّه و أبقاك، و هدانا و إيّاك، و وفّقنا فيما نحاول دينا و دنيا للرّشاد، و رزقنا علما نقرن به عملا يقرّب منه و يزلف لديه، إنّه سميع بصير، و على ما