الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ١٧٩
أنّ قولهم: ما أتاني من أحد، و قوله تعالى: ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ* [الأعراف:
٨] و [العنكبوت: ٢٨]، متناول غاية العموم. و لو حاولت أن تقول: «أتاني من أحد» كان ذلك داخلا في باب استحالة الكلام.
و يشبه ما ذكرته من الاستغناء بدخول الاسم المبتدأ في اسم العموم الذي بعده عن عود ضمير إليه من الجملة تكرير الاسم الظاهر مستغنى به عن ذكر المضمر، و ذلك إذا أريد تفخيم الأمر و تعظيمه كقول عديّ بن زيد: [الخفيف]
[٦٨١]- لا أرى الموت يسبق الموت شيء
نغّص الموت ذا الغنى و الفقيرا
و استغنى بإعادة ذكر الموت عن الهاء لو قال مع صحّة الوزن (يسبقه). و مثله في التنزيل: الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ [الحاقة: ١- ٢]، الْقارِعَةُ مَا الْقارِعَةُ [القارعة:
١- ٢]، وَ أَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ [الواقعة: ٢٧]، فالحاقّة: مبتدأ، و قوله (ما الحاقّة) جملة من مبتدأ و خبر، خالية من ضمير يعود على المبتدأ، لأنّ تكرير الظاهر أغنى عن الضّمير العائد، فالتقدير: أيّ شيء الحاقّة، و كذلك (ما القارعة) و (ما أصحاب اليمين) التقدير فيهما: أيّ شيء القارعة، و أيّ شيء أصحاب اليمين، كما تقول: «زيد رجل أيّ رجل» فاستغني بتكرير الظاهر عن أن يقال:
الحاقّة ما هي، و القارعة ما هي، و أصحاب اليمين ما هم.
و إنما حسن تكرير الاسم الظّاهر في هذا النحو لأنّ تكريره هو الأصل، و لكنّهم استعملوا المضمرات فاستغنوا بها عن تكرير المظهرات إيجازا و اختصارا، فلمّا أرادوا الدّلالة على التّفخيم جعلوا تكرير الظّاهر أمارة لما أرادوه من ذلك. و أمّا معنى البيت فإنّه أراد ذمّ الذين خاطبهم فيه فأراد: ليس عندكم قتال وقت احتياجكم إليه، و لا تحسنونه، و إنّما عندكم أن تركبوا الخيل و تسيروا في المواكب العراض.
و في البيت حذف اقتضاه إقامة الوزن لم يسأل عنه صاحب هذه المسائل، و هو حذف الفاء من جواب أمّا، و ذلك أنّ (أمّا) حرف استئناف وضع لتفصيل الجمل.
و حكم الفاء بعده حكم الفعل في امتناعها من ملاصقة (أمّا)، لأنّ الفاء إذا اتّصلت بالجزاء صارت كحرف من حروفه، فكما لا يلاصق فعل الجزاء فعل الشّرط كذلك
[٦٨١] - الشاهد لعدي بن بن زيد في ديوانه (ص ٦٥)، و خزانة الأدب (١/ ٣٧٨)، و شرح ديوان الحماسة للمرزوقي (ص ٣٦)، و لسوادة بن عدي في الكتاب (١/ ١٠٦)، و شرح شواهد المغني (٢/ ٨٧٦)، و لسوادة أو لعديّ في لسان العرب (نغص)، و شرح أبيات سيبويه (١/ ١٢٥)، و بلا نسبة في أمالي ابن الحاجب (١/ ١٥٣)، و خزانة الأدب (١١/ ٣٦٦)، و الخصائص (٣/ ٥٣).