الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ٢٠٦
لا أبتهج بأن أكون في الباطن أستحقّ تثريبا و أدعى في الظاهر أديبا، و مثلي مثل البيعة الدّامرة تجمع طوائف من المسيحيّة أنّها تبرئ من الحمّى، أو من كذا، و إنّما هي جدر قائمة لا تفرق بين ملطس الهادم و المسيعة [١] بيد الهاجريّ، و سيّان عندها صنّ الوبر [٢] و ما يعتصر من ذكيّ الورد. و لست بدعا ممّن كذب عليه، و ادّعي له ما ليس عنده، و قد ناديت بتكذيب القالة نداء خصّ و عمّ و اعترفت بالجهالة عند من نقض و أمرّ و اعتذرت بالتقصير إلى من هزل و جدّ. و قد حرم الكلام في هذه الأشياء لأنّي طلّقتها طلاقا بائنا لا أملك فيه الرّجعة و ذلك لأنّني وجدتها فوارك فقابلت فركها بالصّلف و ألقيت المرامي إلى النّازع، و خلّيت الخطب لرقاة المنابر. و كنت في عدّان المهلة أجد إذا زاولت الأدب كأنّني عار يعتمّ أو أقطع الكفّين يتختّم. و ينبغي له أدام اللّه تمكينه إن ذكرني عنده ذاكر أن يقول: «دهدرّين سعد القين» [٣] إنّما ذلك أجهل من صعل الدّوّ [٤] خال كخلوّ البوّ [٥].
و لو كنت في جنّ العمر كما قيل لكنت قد أنسيت و نسيت لأنّ حديثي لا يجهل في لزوم عطني [٦] الضّيّق و انقطاعي عن المعاشر ذهاب السّيّق [٧] و لو أنّني كما يظنّ لبلغت ما اخترت و برزت للأعين فما استترت. و هو يروي البيت السائر لزهير:
[الكامل]
[٧٢٩]- و السّتر دون الفاحشات و لا
يلقاك دون الخير من ستر
و إنّما ينال الرتب من الآداب من يباشرها بنفسه و يفني الزمن بدرسه و يستعين الزّهلق و الشّعاع المتألّق لا هو العاجز و لا المحاجز. [الوافر]
٧٣٠- و لا جثّامة في الرّحل مثلي
و لا برم إذا أمسى نؤوم
و مثله لا يسأل مثلي للفائدة بل للامتحان و الخبرة فإن سكتّ جاز أن يسبق إلى الظّنّ الحسن؛ لأنّ السّكوت ستر يسبل على الجهول. و ما أحبّ أن تفتري عليّ الظّنون كما افترت الألسن في ذكرها أنّي من أهل العلم.
[١] الملطس: المعول تكسر به الحجارة، و المسيعة: خشبة ملساء يطيّن بها.
[٢] الصّنّ: بول الوبر، و الوبر: دويبة غبراء على قدر السنور.
[٣] انظر مجمع الأمثال للميداني (١/ ٢٦٦).
[٤] الصعل: الصغير الرأس و يقال للظليم صعل، و الدوّ: الفلاة الواسعة.
[٥] البوّ: ولد الناقة.
[٦] العطن: الدار.
[٧] السّيّق من السحاب: الذي طرأته الريح كان فيه ماء أو لم يكن.
[٧٢٩] - الشاهد لزهير في ديوانه (ص ٩٥).