الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ١٠٢
أسيّدنا قاضي القضاة و من إذا
بدا وجهه استحيى له القمران
و من كفّه يوم النّدى و يراعه
على طرسه بحران يلتقيان
و من إن دجت في المشكلات مسائل
جلاها بفكر دائم اللّمعان
رأيت كتاب اللّه أكبر معجز
لأفضل من يهدى به الثّقلان
و من جملة الإعجاز كون اختصاره
بإيجاز ألفاظ و بسط معان
و لكنّني في الكهف أبصرت آية
بها الفكر في طول الزّمان عناني
و ما هي إلّا استطعما أهلها فقد
نرى استطعماهم مثله ببيان
فما الحكمة الغرّاء في وضع ظاهر
مكان ضمير إنّ ذاك لشان
فأرشد على عادات فضلك حيرتي
فمالي بهذا يا إمام يدان
فأجابه بما نصّه: قوله: اسْتَطْعَما أَهْلَها متعيّن واجب، و لا يجوز مكانه «استطعماهم» لأنّ «استطعما» صفة للقرية في محل خفض جارية على غير من هي له كقولك: أهل قرية مستطعم أهلها؛ لو حذفت «أهلها» هنا، و جعلت مكانه ضميرا لم يجز، فكذلك هذا. و لا يسوغ من جهة العربية شيء غير ذلك، إذ «استطعما» صفة لقرية، و جعله صفة لقرية سائغ عربي لا تردّه الصناعة و لا المعنى، بل أقول: إن المعنى عليه. أمّا كون الصناعة لا تردّه فلانه ليس فيه إلا وصف نكرة بجملة، كما توصف سائر النكرات بالجمل. و التركيب محتمل لثلاثة أعاريب، أحدهما: هذا، و الثاني: أن تكون الجملة في محل نصب صفة ل «أهل»، و الثالث: أن تكون الجملة جواب «إذا»، و الأعاريب منحصرة في الثلاثة لا رابع لها. و على الثاني و الثالث يصحّ أن يقال: «استطعماهم»، و على الأول: لا يصح لما قدمناه. فمن لم يتأمل الآية كما تأملناها ظن أن الظاهر وقوع موقع المضمر أو نحو ذلك، فغاب عنه المقصود. و نحن بحمد اللّه وفقنا اللّه للمقصود، و لمحنا تعيّن الإعراب الأول من جهة معنى الآية و مقصودها، و أنّ الثاني و الثالث و إن احتملهما التركيب بعيدان عن مغزاها.
أمّا الثالث هو كونه جواب «إذا»، فلأنه تصير الجملة الشرطية معناها الإخبار باستطعامهما عند إتيانهما، و أن ذلك تمام معنى الكلام. و يجلّ مقام موسى و الخضر عليهما السّلام عن تجريد قصدهما إلى أن يكون معظمه أو هو طلب طعمة أو شيئا من الأمور الدّنيوية، بل كان القصد ما أراد ربّك أن يبلغ اليتيمان أشدّهما و يستخرجا كنزهما رحمة من ربّك، و إظهار تلك العجائب لموسى عليه السّلام.
فجواب «إذا» قوله: قالَ لَوْ شِئْتَ [الكهف: ٧٧] إلى تمام الآية.
و أما الثاني: و هو كونه صفة ل «أهل» في محلّ نصب فلا تصير العناية إلى شرح