الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ١٥٩
من كلام المخبر عنه، هذا الذي شهد به الاستقراء و قضى به الذوق الصحيح، فلا يقول أحد ابتداء «مررت بدار كذا» و لا «.... بدار كذا و كذا» بل يقول: «...
بالدار الفلانيّة»، و يقول من يخبر عنه قال فلان مررت بدار كذا، أو: ... بدار كذا و كذا، و ذلك لنسيان اعترى المخبر أو لغير ذلك. و منه ما جاء في حديث الحساب- أعاذنا اللّه من سوء فيه-: «أتذكر يوم كذا و كذا فعلت فيه كذا و كذا» [١]. و قول من قال: «أما بمكان كذا و كذا وجذ إنّما الكناية فيه من كلام من حكى عن غيره، ألا ترى أنّهم حكوا أنّه قيل له في الجواب: بلى وجاذا [٢] و لو كان السائل كانيا لم يعلم مراده، و لم تقبح إجابته بالتّعيين، و دعوى أنّ المسؤول علم ما كني عنه على خلاف الأصل و الظاهر. و غلط جماعة فجعلوا من هذا القسم قوله [٣]: [مجزوء الوافر]
و أسلمني الزمان كذا
[فلا طرب و لا أنس]
و الحقّ أنّ ذلك ليس من الكناية في شيء و قد مضى.
الضرب الثاني:- و هو الغالب- أن يكنى بها عن عدد مجهول الجنس و المقدار.
و هذه و التي قبلها مركّبتان من شيئين: أحدهما الكاف، و الظاهر أنّها الكاف الحرفيّة المفيدة للتشبيه، لأنّها القسم الغالب من أقسام الكاف كما ركّبوها مع (أنّ) في (كأنّ) نحو قولك «كأنّ زيدا أسد». و الثاني: (ذا) التي للإشارة كما ركّبوها مع (حبّ) في (حبّذا) و مع (ما) في نحو: ماذا صنعت، في أحد التّقادير. و لا يحكم على (ذا) بأنّها في موضع جرّ، و لا على الكاف بأنّها متعلّقة بشيء، و لا بأنّ فيها معنى التّشبيه، و إن كان باقيا بعد التركيب في (كأنّ)، إلا أنّه لا معنى له هنا، فلا وجه لتكلّف ادّعائه لأنّ التركيب كثيرا ما يزيل معنى المفردين، و يحدث بمجموعهما معنى لم يكن، و يحكم على مجموع الكلمتين بأنّه في موضع رفع أو نصب أو جرّ بحسب العوامل الدّاخلة عليها. و يدلّ على أنّ الأمر كذلك أمور:
أحدها: أنّ (ذا) لا تؤنّث لتأنيث تمييزها، تقول له: «عندي كذا و كذا أمة» و لا تقول: «... كذه و كذه ...».
و الثاني: أنّها لا تتبع بتابع، لا يقولون: «كذا نفسه رجلا».
[١] أخرجه مسلم في صحيحه (٣/ ٤٧).
[٢] انظر الكتاب (١/ ٣١٢).
[٣] مرّ الشاهد رقم (٦٦٧) .