الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ٢٣٦
الطّريق المستبين. و الصلاة و السّلام على عبده محمّد المخصوص بالشّرع العامّ المفضّل على الخلق أجمعين، و على آل محمّد و أصحابه و أزواجه و ذرّيّته و التّابعين.
فإنّه لمّا حضر كاتب هذه الأوراق، الفقير إلى عفو اللّه الخلّاق مجلس مولانا المعزّ الأشرف، محبّ العلم و العلماء، حبيب الأخيار الحلماء السّيفي ملكتمر المارداني، بلّغه اللّه في الدّنيا و الآخرة حسن الأماني، تغيّر بعض من حضر بما تفضّل به من الإحسان و غمر، في حقّ محبّه الفقير إلى عفو اللّه عمر، فلمّا وقع الكلام في المتعة قال بعض الحاضرين قولا فمنعه، ثمّ انتشر الكلام في الاستدلال، و ظهر من المتحمّلين في الكلام كثير من الاختلال ثم حصل بعد ذلك السّكون، و ربّك يعلم ما تكنّ صدورهم و ما يعلنون، ثم قرأ قارئ من القرآن العظيم آيات يعلم السبيل إلى فهمها العلماء الأثبات منها: وَ ما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي السَّماءِ وَ لا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَ لا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ [يونس: ٦١]، و لم يكن في عزم كاتبه العود إلى الكلام مع أحد من الحاضرين، لما يقع في ذلك من اللّغط، و ذلك مظنّة الغلط، فقال بعضهم في الاستثناء إشكال، و لم يكمل في المقال، و لم يقتصر على السؤال، و كان كاتبه ضيّق عليه في ذلك المجال، إلى أن أرحته بالانتقال إلى الجواب، فقلت و اللّه الموفّق للصواب:
الجواب عن ذلك من أوجه أربعة: من لغط فقد قرّر أمره على المنازعة بغير علم و أزمعه و هنّ: أنّه يجوز أن تكون (إلّا) بمعنى الواو أو الاستثناء من محذوف، أو من قوله: وَ لا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَ لا أَكْبَرَ أو منقطع. و في أثناء ذلك كلام المتعصّبين لإقامة الشّرّ لا ينقطع، فقصدت بهذا التّصنيف تقرير الأوجه في ذلك، و إيضاح القول فيه و المسالك.
فأقول: وجه الإشكال أن يقال: لا يصحّ أن يكون الاستثناء من قوله (و ما يعزب) إذ يصير المعنى: و ما يبعد و ما يغيب إلّا في كتاب مبين، و هذا فاسد و لا يصحّ أن يكون الاستثناء من قوله (و لا أصغر من ذلك و لا أكبر) رفعت أو فتحت لأنّ الرّفع للعطف على محلّ مثقال، و الفتح للعطف على لفظه، و هو في موضع الجرّ لامتناع الصّرف في أصغر و أكبر للصّفة و الوزن. و حينئذ فيشكل الاستثناء. و هذا الأخير لم يقرّره من كان يستشكل بل اقتصر على الأوّل، و لم يكمل الكلام لذهوله عن الثاني و تمام الكلام أنّ الاستثناء ممّا ذكر على ما تقرّر لا يصحّ. و لا مذكور فيما ذكر يستثنى منه الأوّل، و الأصل عدم الحذف و بتقديره فما هو. و بلغني من بعض العلماء الأعلام أن بعض من حضر المجلس له مدّة يسأله عن هذا السؤال بعينه و تردّد له في ذلك مرات في أوقات قريبة من هذا المجلس، و لم يكن عندي علم من ذلك إلّا