الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ١٤
قولنا: إنه منادى مخصّص أنّ حليما و جوادا و عالما و نحوها صفات يوصف بها الباري جلّ جلاله و يوصف بها المخلوقون، و هي و إن اتّفقت ألفاظها متباينة في المعاني، كما أنّ إذا قلنا في الباري تعالى: إنه سميع بصير، و قلنا في زيد: إنه سميع بصير، فالمعنى مختلف و إن اتفقت العبارة، لأنّ زيدا سميع بأذن بصير بحدقة لأنّه ذو جوارح و أبعاض، و اللّه تعالى منزّه عن مثل هذه الصفات، جلّ عمّا يصفه به الجاهلون و تقدّس ممّا يقول فيه المبطلون، و إنما نريد بقولنا فيه: إنه سميع و إنه بصير أنّه لا يغيب عنه شيء من خلقه و أنّه مشاهد لجميع حركاتهم و أعمالهم، لا يخفى عنه مثقال الذّرّة، و لا يغيب عنه ما تجنّه الصدور و يختلج به الضمير، و لذلك إذا قلنا: إنّ زيدا حيّ فإنّما نريد بذلك أنّ له نفسا حسّاسة مقترنة بجسم، و إذا قلنا في الباري تعالى: إنه حيّ فإنما نريد بذلك أنّه مدرك للأشياء، و يجوز أن يراد بذلك أنّه موجود لم يزل و لا يزال، و العرب تسمى الوجود حياة و العدم موتا، فيقولون للشمس ما دامت موجودة حيّة، فإذا عدمت سمّوها ميّتة، قال ذو الرمة: [الطويل]
[٥٨٠]- فلمّا رأين اللّيل و الشّمس حيّة
حياة الّذي يقضي حشاشة نازع
شبّه الشمس عند غروبها بالحيّ الذي يجود بنفسه، و قال آخر يصف النار:
[الطويل]
[٥٨١]- و زهراء إن كفّنتها فهو عيشها
و إن لم أكفّنها فموت معجّل
فجعل وجود النار حياة و عدمها موتا، و لم نرد بإنشاد هذين البيتين تمثيل حياة الباري تعالى بالحياة المذكورة فيهما لأنّ ما ذكره الشاعران من ذلك مجاز و استعارة و حياة الباري تعالى و جميع صفاته حقائق لا تشبّه بشيء من صفات المحدثات و لا تكيّف، و إنّما تؤخذ توقيفا و تسليما لا قياسا، و قد اجتمع العارفون بحدود الكلام على أنّ الاشتراك في الأسماء لا يوجب التشابه بين المسمّيات بها، و إنّما تشبّه الأشياء باتفاقها في المعاني لا في الألفاظ، و ليس بين الباري تعالى و بين مخلوقاته اشتباه في معنى من المعاني، فإذا أرادوا أن يجعلوا هذه الصفات مختصّة به تعالى زادوا عليها ألفاظا تخصّصها و تجعلها مقصورة عليه، فقالوا: يا حليما لا يعجل و يا جوادا لا يبخل، و يا عالما لا يجهل، و نحو ذلك، فصارت هذه الصفات خاصة لا يصح أن يوصف بها غيره، لأنّ كلّ حليم فلا بدّ له من طيش و هفوة، و كلّ جواد فلا بدّ له من بخل و علّة،
[٥٨٠] - الشاهد لذي الرمة في ديوانه (ص ٨٠١)، و أساس البلاغة (حشش)، و تاج العروس (شرق)، و العمدة (١/ ٢٧٥).
[٥٨١] - البيت بلا نسبة في أمالي القالي (٢/ ٨٨).