الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ١٧٣
أمّا قول ثعلب: «عرق النّسا» فقد أجمع كلّ من فسّر القرآن من الصّحابة و التابعين رضي اللّه عنهم و هلمّ جرّا أنّ معنى قوله تعالى: كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ [آل عمران: ٩٣]: لحوم الإبل و ألبانها فقال عليّ و عبد اللّه بن عبّاس و عبد اللّه بن مسعود- رضي اللّه عنهم- و كلّ من فسّر القرآن: إنّ يعقوب عليه السّلام كان به عرق النّسا. فلم يجز لثعلب أن يترك لفظ أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و يأخذ بقول الشّاعر [١]: [المتقارب]
فأنشب أظفاره في النّسا
[فقلت هبلت ألا تنتصر]
و أمّا قوله في: «حلمت في النوم حلما و حلما»: فقد غلط أنّه أقام الاسم مقام المصدر؛ فخطأ، لأنّ الحلم مصدر و اسم؛ يقال: رعب الرّجل رعبا و رعبا و حلم الرّجل حلما و حلما. و هذا ممّا وافق الاسم فيه المصدر مثل النّقص و العلم؛ تقول:
علمت علما، و في فلان علم، فالعلم مصدر و اسم.
و أمّا احتجاجه بقوله تعالى: يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ [النور: ٥٨]، فهذه حجّة عليه؛ لأنّه أراد المصدر هاهنا أي: لم يبلغوا الاحتلام. و أمّا قوله: حسب الحساب و لم يقل الحسب فخطأ فاحش، فإنّ العرب قد تذكر الاسم في موضع المصدر فيقولون: «أعطيته عطاء» في موضع (إعطاء)، و «هذا يوم عطاء الجند، و عطاء الأمير» و كما استغنوا بلفظ الاسم عن المصدر، كذا استغنوا بالحساب عن الحسب و لا سيّما إذا كان الحسب لفظا يشبه الكفاية، و (حسبك) أي (كفاك).
و أمّا قوله في «رجل عزب»: إنّه مصدر لا تدخله الهاء فخطأ عظيم، لأنّ العزب اسم وصفة بمنزلة العازب قال ابن أحمر: [البسيط]
[٦٧٣]- حتّى إذا ذرّ قرن الشّمس صبّحها
أضري ابن قرّان بات الوحش و العزبا
و سمّي العزب عزبا لأنّه قد بعد عن النّكاح، قال الأصمعيّ و ابن الأعرابيّ و الطّوسي: «أراد: بات عازبا، و الأضري: كلاب الصّيد، جمع ضرو. و الدليل على أنّ العزب اسم الفاعل أنّك تجمعه على فعّال، قوم عزّاب و امرأة عزبة». و قد ذكره أبو عبيد في المصنّف كما ذكره ثعلب، و لكنّهم فرّقوا بين العازب البعيد في المسافة، و بين العزب البعيد من النّكاح. و يقال: امرأة عزب و عزبة غير أن ثعلبا اختار اللّغة الفصحى. و أمّا تشبيهه (عزبا) ب (خصم) فخطأ ثان، لأنّ الخصم كالعدل و الرّضى
[١] مرّ الشاهد رقم (٦٧١) .
[٦٧٣] - الشاهد لابن أحمر في ديوانه (ص ٤٣)، و لسان العرب (ضرا).