الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ٣٩
نقول بلا شك إن التحدي يدلّ على أنّ السورة المأتيّ بها هي السورة المماثلة، فإذا قيل: «مِنْ مِثْلِهِ» مقدّما حصل فيه إبهام و إجمال من حيث المقدار، فإذا قيل بسورة تعيّن المقدار المأتي به، و حينئذ قوله: «بسورة» لا يفيد إلّا تعيين المقدار المبهم، إذ بعد أن فهم المماثلة من صريح الكلام تضمحلّ دلالة السياق، فلا يلاحظ قوله بسورة إلّا من حيث أنّه تفصيل بعد الإجمال، فلا يكون في الكلام أمر يستغنى عنه، و أمّا إذا قيل مؤخّرا فإن جعلته وصفا للسورة فقد جعلت ما كان مفهوما بالسياق منطوقا في الكلام بعينه، و هذا في باب النعت إذا كان لفائدة لا ينكر، كما في قولهم: أمس الدّابر و أمثاله، و أمّا إذا جعلت متعلّقا ب (فأتوا) فدلالة السياق باقية على حالها إذ هي مقدّمة على التصريح بالمماثلة، ثم خرجت بذكر المماثلة، فكأنك قلت: فأتوا بسورة من مثله من مثله مرتين على أن يكون الأول وصفا و الثاني ظرفا لغوا، و هو حشو في الكلام بلا شبهة، فإن قلت: فما الفائدة إذا جعلناه وصفا للسورة؟ قلت: الفائدة جليلة، و هي التصريح بمنشأ التعجيز، فإنّه ليس إلّا وصف المماثلة، و عند ملاحظة منشأ التعجيز أعني المثليّة يحصل الانتقال إلى أنّ القرآن معجز و الحاصل أنّ الغرض من إتيان الوصف تحقيق مناط علية كون القرآن معجزا حتى يتأمّلوا بنظر الاعتبار فيرتدعوا عمّا هم فيه من الرّيب و الإنكار.
هذا ما سنح في الخاطر الفاتر، و المرجوّ من الأفاضل النظر بعين الإنصاف و التجنّب عن العناد و الاعتساف، فلعمري إنّ الغور فيه لعميق و إنّ المسلك إليه لدقيق، و اللّه المستعان و عليه التّكلان، تمت الرسالة و الحمد للّه رب العالمين.
علّة حذف الواو بين الياء و الكسرة
و من مجموع ابن القماح:
فائدة: إذا كانت الواو فاء الكلمة من الماضي فمضارعه يفعل بكسر العين لفظا أو تقديرا، و تسقط الواو في المضارع، مثال اللفظي: يعد و يمق من وعد و ومق، و مثال التقديري: يضع و يسع من وضع و وسع، فالأصل في الكلّ بالواو، فحذفت و فتحت عين الفعل للخفّة، إذ حرف الحلق ثقيل لبعد مخرجه فهي مكسورة تقديرا، و هو معنى قول الزمخشري: «و سقوطها فيما عينه مكسورة من مضارع فعل أو فعل لفظا أو تقديرا» [١]، و اختلفوا في علة حذف الواو بين الياء و الكسرة، فعلّله الكوفيون [٢]
[١] انظر المفصّل (ص ١٧٨).
[٢] انظر الإنصاف (ص ٧٨٢).