الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ٦٥
نعم قول ابن عمرون متّجه في قول الحريري [١]: [مجزوء الوافر]
كأنّي بك تنحطّ
إلى القبر و تنغطّ
فهذا لا ينبغي أن يعدل عنه عند تخريجه، فيكون الظرف خبرا و «تنحطّ» حالا عن ياء المتكلّم لعدم الرابط على أنّ المطرّزيّ خرّجه على أنّ الأصل: كأنّي أبصرك، ثم حذف الفعل لدلالة المعنى عليه، فانفصل الضمير و زيدت الباء في المفعول. و لا شكّ أنّ فيه تكلّفا من وجهين إضمار الفعل، و زيادة الباء، مع إمكان الاستغناء عن ذلك، ثمّ يكون قوله (تنحطّ) حالا من الكاف لا خبرا. و الفائدة متوقّفة عليه، إذ لو صرّح بالمحذوف فقيل: «كأنّي أبصرك» لم يتمّ المراد فما قاله ابن عمرون أولى، لسلامته من هذا التكلّف. و لا يلزم من تعين قول ابن عمرون في هذا الموضع أن يحمل عليه «كأنّك بالدّنيا لم تكن» لأنّ ذاك تركيب آخر مغاير لهذا التّركيب.
و مثل قول الحريري قولهم «كأنّي بك تفعل كذا».
و قد انتهى القول في هذه المسألة، على ما اقتضاه الحال من ضيق الوقت و المجال المتقاضى للكلام المذكور. و الحمد للّه أوّلا و آخرا، و صلّى اللّه على محمد و آله و صحبه، و سلّم تسليما كثيرا. نجزت يوم الإثنين السادس و العشرين من شهر اللّه المحرّم سنة أربع و خمسين و سبعمائة.
الكلام في قولهم: أنت أعلم و مالك، و على أيّ شيء عطف
قال شيخنا الإمام العالم العلامة جمال الدين عبد اللّه بن يوسف بن هشام رحمه اللّه:
وقفت على أسئلة مشكلة لبعض علماء عصرنا و ها أنا موردها مفصّلة و مدوّن كلّ منها بما تيسّر لي من الجواب. و ما توفيقي إلّا باللّه، عليه توكّلت و إليه أنيب.
السؤال الأوّل: قال رحمه اللّه: المسؤول الاطلاع على ما نقل الناس في قولهم:
«أنت أعلم و مالك» [٢]، و تبيين المعطوف عليه ما هو؟ على القول بأنه عطف لفظي غير راجع إلى المعنى.
و أقول: إنّ الكلام في هذا الموضع في مقامين:
[١] انظر مقامات الحريري (ص ٨٠)، المقامة الحادية عشرة، و المغني (ص ٢١٠)، و شرح أبيات المغني للبغدادي (٤/ ١٧٤).
[٢] انظر الكتاب (١/ ٣٦٠).