الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ١٧
و هل ثمّ حكمة خفيّة أو نكتة معنويّة أو تحكّم بحت؟ بل هذا مستبعد في مثله، فإن رأيتم كشف الرّيبة و إماطة الشّبهة و الإنعام بالجواب، أثبتم أجزل الأجر و الثّواب.
جواب الجاربردي: فكتب العلّامة فخر الدين الجاربردي و عقّد، تمنّي الشعور معلّقا بالاستعلام لما وقع بالدّخيل مع الأصيل الأدخل في الإبهام، أشعر بأنّ المتمنّي تحقّق ثبوت شيء ما منها و الانتفاء رأسا، و لا يستراب أن انتفاء الفائدة اللفظية و الفائدة المعنوية يجعل التخصيص تحكّما ساذجا فإن رفع الإبهام ينصب البعض للتكثير الثاني خبر ما فما مغزى التخصيص على البيان فاضرب عن الكشف صفحا مجانبا الاستدراك كما في الاستكشاف، و إن ريم ما يعنى بالتحقيق فيه و الأخصّ في الاستعمال فزيغ الدّاله لا زلة خبير كعثرة عثارها للادخل بمنزلة في أنزلنا أولا بشهادة الدّغدغة لعثوره عليها في أنزلنا ثانيا، و التبيين جنس التعيين، فإنها من بنات خلعت عليهنّ الثياب ثم فنتهنّ و حثوت عليهنّ التراب: [الطويل]
[٥٨٣]- فبح باسم من تهوى و دعني من الكنى
فلا خير في اللّذّات من دونها ستر
[الكامل]
[٥٨٤]- إنّي امرؤ أسم القصائد للعدى
إنّ القصائد شرّها أغفالها
ردّ العضد: فكتب العضد على الجواب: أقول و أعوذ باللّه من الخطأ و الخطل، و أستعفيه من العثار و الزّلل: الكلام على هذا الجواب من وجوه:
الأول: أنّه كلام تمجّه الأسماع و تنفر عنه الطّباع، ككلمات المبرسم غير منظوم، و كهذيان المحموم ليس له مفهوم، كم عرض على ذي طبع سليم و ذهن مستقيم فلم يفهم معناه و لم يعلم مؤدّاه، و كفى وكيلا بيني و بينك كل من له حظّ من العربية و ذكاء ما مع الممارسة لشطر من الفنون الأدبية.
الثاني: لمّا أجمل الاستفهام لشدّة الإبهام فسّره بما لا يدلّ عليه بمطابقة و لا بتضمّن و لا بالتزام، و حاصله أنّ ثبوت أحد الأمرين هاهنا محقّق، و إنما التردّد في التّعيين، فحقيق بأن يسأل عنه بالهمزة مع (أم) دون هل مع أو، فإنّه سؤال عن أصل الثبوت.
الثالث: أنّا لا نسلّم تحقّق أحد الأمرين حقيقة لجواز أن لا يكون لحكمة خفيّة
[٥٨٣] - البيت لأبي نواس في ديوانه (ص ٢٨).
[٥٨٤] - الشاهد بلا نسبة في أساس البلاغة (غفل) و (وسم)، و لبشامة بن الغدير في شرح ديوان الحماسة للمرزوقي (ص ٣٩٤).