الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ٢١٧
و تكون المسألة من باب الإعمال، تنازع الاسم و الفعل على حدّ قوله تعالى:
هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ [الحاقة: ١٩]، قيل: لا بدّ في باب الإعمال من ربط بين العاملين، نصّ على ذلك ابن هشام الخضراويّ، و ابن عصفور في شرحهما على (الإيضاح)، و أبو حيّان في الارتشاف، و الأبّدي في أثناء كلام على (الجزوليّة).
و الجواب عن قوله: هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ بأنّ هذه ليست من باب الإعمال، أو أنّها منه، و حرف العطف مقدّر كما خرّجت عليه آيات، منها قوله تعالى: ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ [الكهف: ٢٢] و خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ [الكهف: ٢٢]، و قوله تعالى: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ [آل عمران: ١٩] على قول أبي عليّ في الحجّة، و قوله:
«كيف أصبحت كيف أمسيت» و «أكلت سمكا لبنا تمرا»، أو أنّها جملة حاليّة في تقدير الخبر، أي: «هاؤم قارئين» على حدّ فَلْيَمْدُدْ [مريم: ٧٥]، حال منتظرة، أو أنّه بدل اشتمال، أو بدل إضراب على حدّ ما أوّله ابن خروف في قوله: النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ [البروج: ٥]، أو أنّ الفعلين قد ارتبط أحدهما بالآخر من حيث كانا محكيّين بالقول، ذكره ابن عصفور في (شرح الإيضاح).
قلت: لا نسلّم اشتراط الرّبط، قال الإمام محمّد بن أبي البركات محمد بن عمرون في (شرح المفصّل) ما نصّه: «ضابط هذا- يعني باب الإعمال- أن يجتمع أكثر من عامل من فعل أو اسم يعمل عمل الفعل، و يقع بعد ذلك كلمة يصحّ أن يعمل فيها كلّ واحد ممّا تقدّم على انفراده، سواء في ذلك ما يعمل بنفسه أو بحرف جرّ، و سواء المتعدّي لواحد و اثنين، و ثلاثة و سواء و جود حرف عطف و عدمه، أنت مخيّر في أيّها شئت».
و قال الأبّدي في (شرح الجزوليّة) بعد كلام طويل على قوله [١]: [الطويل]
و لو أنّ ما أسعى لأدنى معيشة
[كفاني و لم أطلب قليل من المال]
- البيت- «و دخول هذا البيت في باب الإعمال مشكل، فإنّه لا يصحّ تسلّط الثاني عليه لفساد المعنى. و حقيقة الإعمال أن يتقدّم عاملان و يتأخر عنهما معمول، لكلّ واحد منهما تعلّق به من جهة المعنى، و طلب له. فقال بعضهم: إنّما أرادوا مشابهة لباب الإعمال في أن فصل فيه بين العامل و المعمول بجملة. و قال بعضهم:
يمكن أن نجعله من باب الإعمال و ننصب (قليلا) ب «لم أطلب» و لا يفسد المعنى و ذلك على تقدير: «و أنا لم أطلب» معطوفا على الجمل كلّها لا على الجواب الذي هو (كفاني)، و يكون التقدير: و لو أنّ ما أسعى لأدنى معيشة كفاني هو- أي القليل
[١] مرّ الشاهد رقم (٤٦٨) .