الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ٤
و الثاني: أنّ قولنا: «بسم اللّه الرحمن الرحيم» جملة خبريّة، و قولنا صلّى اللّه على سيّدنا محمد جملة معناها الدعاء، فلما اختلفتا فكانت الأولى إخبارا و كانت الثانية دعاء، و كان من شأن واو العطف أن تشرك الثاني مع الأول لفظا و معنى لم يصحّ عندهم عطف هاتين الجملتين على بعضهما لاختلافهما لفظا و معنى.
فإن كانت العلة التي حملتهم على إنكار ذلك اختلاف إعراب الجملتين فإنّ ذلك غير صحيح، بل هو دليل على قلّة نظر قائله، لأنّ تشاكل الإعراب في العطف إنما يراعى في الأسماء المفردة المعربة خاصّة، و أمّا عطف الجمل فإنّه نوعان:
أحدهما: أن تكون الجملتان متشاكلتين في الإعراب، كقولنا: إنّ زيدا قائم و عمرا خارج، و كان زيد قائما و عمر خارجا، فيعطف الاسم و الخبر على الاسم و الخبر.
و النوع الثاني: لا يراعى فيه التشاكل في الإعراب، كقولنا: قام زيد و محمّدا أكرمته، و مررت بعبد اللّه و أمّا خالد فلم ألقه، و في هذا أبواب قد نصّ عليها سيبويه و جميع البصريين و الكوفيين، لا أعلم بينهم خلافا في ذلك، و ذلك كثير في القرآن و الكلام المنثور و المنظوم، كقوله تعالى: وَ الْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَ الْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ [النساء: ١٦٢]، و كقول خرنق: [الكامل]
[٥٧١]- النّازلين بكلّ معترك
و الطّيّبون معاقد الأزر
و قد ذكر ذلك في المختصرات الموضوعات في النحو كالجمل و الكافي لابن النحاس و غيرهما.
و إن كانوا أنكروا ذلك من أجل أنّ قولنا: بسم اللّه الرحمن الرحيم جملة خبرية، و قولنا: صلّى اللّه عليه و سلّم جملة معناها الدعاء فاستحال عندهم عطف الدعاء على الخبر، لا سيّما و من خاصة الواو أن تعطف ما بعدها على ما قبلها لفظا و معنى، و هاتان جملتان قد اختلف لفظهما و معناهما، فما اعترضوا به غير صحيح أيضا، و هذا الذي قالوه يفسد عليهم من وجوه كثيرة لا من وجه واحد:
فأولها: أنّا وجدنا كلّ من صنّف من العلماء كتابا مذ بدأ الناس بالتصنيفات إلى زماننا هذا يصدّرون كتبهم بأن يقولوا: الحمد للّه الذي فعل كذا و كذا، ثم
[٥٧١] - الشاهد للخرنق بن هفّان في ديوانه (ص ٤٣)، و أمالي المرتضى (١/ ٢٠٥)، و الإنصاف (٢/ ٤٦٨)، و أوضح المسالك (٣/ ٣١٤)، و الحماسة البصرية (١/ ٢٢٧)، و خزانة الأدب (٥/ ٤١)، و الدرر (٦/ ١٤)، و سمط اللآلي (ص ٥٤٨)، و شرح أبيات سيبويه (٢/ ١٦)، و الكتاب (١/ ٢٦٤)، و المقاصد النحوية (٣/ ٦٠٢)، و بلا نسبة في رصف المباني (ص ٤١٦)، و شرح الأشموني (٢/ ٣٩٩).