الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ٤٢
ذلك في الوسوسة كقول بعضهم: «وسوسة الشيطان إلى النفس داء»، تتعيّن المصدرية في مثل هذا لا بالانتصاب بعد الفعل.
الثاني: أنّ المصدر المضاف إليه ذو تقديرا لا يؤنّث و لا يثنّى و لا يجمع، بل يلزم طريقة واحدة لتعلم أصالته في المصدرية و فرعيته في الوصفية، فيقال: امرأة صوم و رجل صوم و رجلان صوم و رجال صوم أو نساء، و فعلال الموصوف به ليس كذلك، لأنه يؤنّث و يثنّى و يجمع وجوبا، فيقال: رجل ثرثار و تمتام [١] و فأفاء و لضلاض أي: ماهر بالدلالة، و هرهار أي: ضحّاك، و جحجاح: سيّد، و فجفاج: كثير الكلام، و كهكاه و وطواط: ضعيف، و عسعاس، و حسحاس: خفيف الحركة، و هفهاف: خميص البطن، و بجباج: ممتلئ الجسم و دعداع و دحداح أي: قصير، و تختاخ: ألكن و سمسام: سريع و قعقاع المفاصل أي: مصوّت، و شيء خشخاش أي: يابس مصوّت، و سبع قضقاض كاسر، و حيّة نضناض: يحرّك لسانه كثيرا، و كلّ ذلك يؤنّث بالتاء و يثنّى و يجمع، و منه قوله صلّى اللّه عليه و سلّم: «أبغضكم إليّ و أبعدكم منّي مجالس يوم القيامة الثّرثارون المتفيهقون» [٢]، و منه ريح زفزافة أي: محرّكة للحشيش و سفسافه تنخل التراب بمرّها، و درع فضفاضة: واسعة، الفعل من كل ذلك فعلل و المصدر فعللة و فعلال بالكسر، و لم ينقل في شيء منها فعلال بالفتح، و من أجاز ذلك كالزمخشري فقياسه غير صحيح لأنّ القياس على النادر لا يصحّ، فثبت ما قصدته من بيان أصالة الوصفية في فعلال و غرابة المصدرية فيه و امتناعها منه، فالقول المرضيّ أنّ الوسواس في قوله تعالى: مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ [الناس: ٤] هو الشيطان، لا على حذف مضاف، بل على أنّه من باب فعلال المقصود به المبالغة في فعلل كثرثار و نظائره، و اللّه أعلم بالصواب.
و سئل ابن مالك أيضا عن قوله صلّى اللّه عليه و سلّم: «غير الدجّال أخوفني عليكم» [٣] فأجاب:
الكلام على لفظه و معناه، أمّا لفظه: فلتضمّنه إضافة أخوف إلى ياء المتكلم مقرونة بنون الوقاية، و هو إنّما يعتاد مع الفعل المتعدي، لأنّ هذه النون تصون الفعل من محذورات:
أحدها: التباسه بالاسم المضاف إلى ياء المتكلم، فلو قيل: «ضربني» ضربي لالتبس بالضّرب و هو العسل الأبيض الغليظ، فنفت نون الوقاية هذا المحذور.
[١] التمتمام: الذي يعجل بكلامه فلا يفهم ما يقول.
[٢] أخرجه أحمد في مسنده (٤/ ١٩٤).
[٣] أخرجه مسلم في صحيحه (٤/ ٢٢٥١).