الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ١٤٤
فأمّا قول بعض المتأخّرين في إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ [الرعد: ٣٦]، و إِنَّما أَشْكُوا [يوسف: ٨٦] و نحو ذلك من الآيات: إنّ الضمير محصور و لم يفصل، فلا يتشاغل به و لو صحّ خرج نحو [١]: [الطويل]
[أنا الذائد الحامي الذّمار] و إنّما
يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي
عن الاستشهاد به، و كان ضرورة لمخالفته للاستعمال.
الدليل الثالث: أنّ إنّ للإثبات، و (ما) للنّفي، و النفي و الإثبات ضدّان فلا يجتمعان في محلّ واحد، فوجب أن يصرف أحدهما للمذكور، و الآخر إلى غيره ليصحّ اجتماعهما. لا جائز أن يكون المنفيّ هو المذكور، و المثبت هو ما عداه، للاتّفاق على أنّ قولك: «إنّما زيد قائم» يفيد إثبات القيام لزيد، فإذا بطل ذلك تعيّن العكس و هو نفي القيام عن غير زيد و إثباته لزيد، و لا معنى للحصر إلّا هذا. هذا حاصل كلام الإمام فخر الدّين و من تبعه، و هو فاسد المقدّمتين لأنّ (إنّ) للتأكيد لا للإثبات، بدليل أنّك تقول: «إنّ زيدا قائم» و «إنّ زيدا ليس بقائم»، فتجدها إنّما دخلت لتأكيد الكلام نفيا كان أو إثباتا. و (ما) زيد مثلها في قولك «ليتما زيدا قائم» لا نافية.
الدليل الرابع: أنّ (إنّ) للتّأكيد، و (ما) حرف زائد للتّاكيد، فلمّا أخذوا الحكم من بين مؤكّدين ناسب أن يكون مختصّا بالمسند إليه قاله السكّاكي، و ليس بشيء لأنّه لازم له في قولك: «إنّ زيدا لقائم» لأنّ (إنّ) و اللام معا للتأكيد، ثمّ إنّك تقول: «أحلف باللّه إن زيدا لقائم» فتجمع بين ثلاث مؤكّدات، القسم، و (إنّ)، و اللام، و لا يفيدها هذا الحصر باتّفاق.
و استدلّ من قال: إنّها ليست للحصر بقوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ [الأنفال: ٢]، فلو كان معناه: ما المؤمنون إلّا الذين إذا ذكر اللّه وجلت قلوبهم، لزم سلب الإيمان عمّن لا يوجل قلبه عند ذكر اللّه تعالى و الإجماع منعقد على خلافه.
و الجواب أنّ المراد بالمؤمنين: الكاملو الإيمان، و لا شكّ أنّ من لا يوجل قلبه
[١] مرّ الشاهد رقم (١٤٢) .