الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ٧١
و أقول: لا يمتنع التعبير بالعبارات المجملة، عند التمكّن من العبارات المعيّنة للمعنى المراد. و العطف إنّما يخلّ بالتنصيص على معنى المعيّة لإفادتها مطلقا، فإنّ أحد محتملات الواو العاطفة معنى المعيّة. و إنّما تتعيّن العبارة التي لا تحتمل غير المراد إذا أريد التنصيص على ذلك المعنى، و لم تحتف بالكلام قرينة ترشد إليه.
و قد جوّزوا لقاصد نفي الجنس ب «لا» على سبيل الإجمال أن يعملها عمل (ليس)، و أوجبوا إعمالها عمل (إنّ) إذا أريد التنصيص [١]. و جوّز سيبويه و المحقّقون لمن قال: «طالني زيد» و «جاءني عمرو» إذا بناهما للمفعول إن يخلص الضمّ و الكسر و أن يشمّ [٢]. و الذي يقتضيه النظر أنّه تتعيّن العبارة الناصّة إذا أريد التنصيص، و المجملة إذا أريد الإجمال، و يجوز الأمران إذا لم يرد أحد الأمرين بعينه، و تترجّح الناصّة حينئذ على المجملة. و لم يمش ابن مالك في ذلك على قاعدة، لأنّه قال في نحو: «جاءني» بوجوب الإشمام أو الضمّ، و في نحو «طالني»: بوجوب الإشمام أو الكسر. و قال في باب «لا»: يجوز إلحاقها ب (ليس) إن لم يرد التنصيص على العموم. و قال في المفعول معه برجحان النصب إذا خيف بالعطف فوات ما يضرّ فواته. ثم قال:
السؤال السادس: «و ما وجه تقسيمهم مسائل الباب إلى ما يجب نصبه، و إلى ما يرجح ذلك فيه، و إلى ما يرجح عطفه، مع أنّهم يقولون: إنّ المفعول معه لا بدّ أن يدخله معنى المفعول به، و قد سمّاه سيبويه بذلك، و مقتضى هذا أنّه يتعيّن النصب عند قصد هذا المعنى، إذا وجد المسوّغ اللفظي، فكيف يحكم برجحانه على العطف في بعض الصور؟ بل كيف يحكم بتساوي الأمرين في بعضها أيضا؟ فإن قيل: الحكم بما ذكر إنّما هو بالنظر إلى صور التراكيب اللفظية و إن اختلف المعنيان، أشكل حينئذ كلام ابن مالك رحمه اللّه تعالى- حيث حكم برجحان العطف حيث أمكن ذلك بلا ضعف. و هذه العبارة يندرج تحتها نحو: «قام زيد و عمرو» و هذا التركيب إن نظرنا إليه مع قطع النظر عمّا يقصد من المعنى، يقتضي تساوي الأمرين كما قال [٣] أبو الحسن بن عصفور. فما وجه كلام ابن مالك و هل يتمّ كلامه فتجيء الصور في هذا الباب خمسا أو لا يتمّ فتكون أربعا.
و أقول: أمّا ما تضمّنه صدر السؤال من الإشكال فقد ذكر في أثنائه ما يرفعه،
[١] انظر شرح شذور الذهب (ص ٢٠٩)، و أوضح المسالك (١/ ٢٧٤)، و المغني (ص ٢٦٤).
[٢] انظر الكتاب (٤/ ٤٨٦).
[٣] انظر المقرّب (١/ ١٥٩).