الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ١٨٠
الفاء، ألا ترى أنّ الفاء في قولك: «إن يقم زيد فعمرو يكرمه» قد فصل بينها و بين الشّرط (زيد) و كذلك إذا قال: «إن تقم فعمرو يكرمك» فقد فصل بين الشّرط و الفاء الضمير المستكنّ فيه، فلمّا تنزّلت (أمّا) منزلة الفعل الذي هو الشّرط لم يجز أن تلاصقه الفاء.
فإن قال قائل: هل يجوز أن تكون هذه الفاء زائدة فلذلك جاز حذفها في الشّعر؟ قيل: لا يخلو أن تكون عاطفة، أو زائدة، أو جزاء، فلا يجوز أن تكون عاطفة لدخولها على خبر المبتدأ، و خبر المبتدأ لا يعطف على المبتدأ. و لا يجوز أن تكون زائدة لأنّ الكلام لا يستغني عنها في حال السّعة، فلم يبق إلّا أن تكون جزاء. و هي حرف وضع لتفصيل الجمل، و قطع ما قبله عمّا بعده عن العمل. و أنيب عن جملة الشّرط و حرفه، فإذا قلت: «أمّا زيد فعاقل» فالمعنى و التقدير عند النحويّين: مهما يكن من شيء فزيد عاقل، فاستحقّ بذلك جوابا، و جوابه جملة تلزمها الفاء إمّا أن تكون مبتدئيّة أو فعليّة، و الفعليّة إمّا أن تكون خبريّة أو أمريّة أو نهييّة. و لا بدّ أن يفصل بين (أمّا) و بين الفاء فاصل مبتدأ أو مفعول أو جارّ و مجرور، فالمبتدأ كقولك: «أمّا زيد فكريم و أمّا بكر فلئيم»، و المفعول كقولك: «أمّا زيدا فأكرمت» و «أمّا عمرا فأهنت» و الجارّ و المجرور كقولك: «أمّا في زيد فرغبت»، و «أمّا على بكر فنزلت» و مثال وقوع الجملة الأمريّة قولك: «أمّا محمدا فأكرم و أمّا عمرا فأهن» كأنّك قلت: مهما يكن من شيء فأكرم محمّدا، و مهما يكن من شيء فأهن عمرا.
و مثال النّهي قولك: «أمّا زيدا فلا تكرم» و «أمّا عمرا فلا تهن»، و مثله في التنزيل:
فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ وَ أَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ [الضحى: ٩- ١٠]. و مثال فصلك بالجارّ و المجرور في قولك: «أمّا بزيد فامرر» قوله تعالى: وَ أَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضحى: ١١]. و إنّما لم يجز أن تلاصق (أمّا) الفعل لأنّ (أمّا) لمّا تنزّلت منزلة الفعل الشّرطيّ- و الفعل لا يلاصق الفعل- امتنعت من ملاصقة الأفعال.
فإن قيل: فقد تقول: «زيد كان يزورك» و «عمرو ليس يلمّ بك» فتلاصق (كان) و (ليس) الفعل.
فالجواب: أنّ الضّمير في (كان) و (ليس) فاصل في التقدير بينهما و بين ما يليهما و هذا الفاصل يبرز إذا قلت: «الزيدان كانا يزورانك» و «العمران ليسا يلمّان بك» و كذلك حكم الجمع إذا قلت: كانوا، و ليسوا، و حكم الفاء حكم الفعل في امتناعها من ملاصقة أمّا لأنّ الفاء إذا اتصلت بالجزاء صارت كحرف من حروفه فكما