الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ٦٧
المجازيّ اللغويّ. أمّا في المجازيّ العقليّ؛ بأن يسند اللفظ إلى أمرين معا: إلى أحدهما بطريق الحقيقة، و إلى الآخر بطريق المجاز فلا. ثمّ لا خفاء بما في هذا الوجه من البعد في المعنى.
الوجه الثاني: أنّ هذا عطف لفظيّ، لم يقصد به التشريك في المعنى. و هذا القول مشكل في الظاهر لمخالفته لما عليه إطباق النحويّين من أنّ الواو العاطفة للمفرد تقتضي التشريك في اللفظ و المعنى، و لم أر من وفّاه حقّه من الشرح. و أقول:
لا خفاء بأنّ المعنى: أنت أعلم بمالك. و هذا هو أصل الكلام. ثمّ إنّ العرب أنابوا واو العطف عن باء الجرّ، للتوسيع في الكلام، و ليتناسب اللفظان المتجاوران، و ليفاد بالحرف الواحد معنى الحرفين؛ فإنّ الواو حينئذ تفيد في المعنى الإلصاق لنيابتها عن حرف، و تفيد في اللفظ تشارك الاسمين في الإعراب اعتبارا بأصلها و ظاهر لفظها.
و على هذا فاللفظ لفظ المعطوف، و المعنى معنى المفعول، فلا إشكال في اللفظ و لا في المعنى. و ليس هذا من البدل التصريفيّ الذي لحظ فيه قرب المخرج، أو اتّحاده، كما أبدلت واو القسم من بائه حين كانا حرفين شفهيّين، لأنّ ذلك يقتضي الاشتراك في العمل؛ و إنّما هو من باب ترك كلمة، و الإتيان بأخرى مكانها لتقارب معناها- كالإتيان بالواو في نحو «سرت و النّيل» مكان «مع»- لكون الباء للإلصاق، و واو العطف للجمع، و هما متقاربان.
و الذي يدلّ على مجيء الواو خلفا عن الباء قولهم: «بعت الشّاء شاة و درهما» أي شاة بدرهم؛ لأنّا قاطعون بأنّ الدّرهم ثمن لا مبيع، و لأنّهم قالوا أيضا: «بعت الشاء شاة بدرهم». و هذا الذي ذكرته هو أصحّ و أوضح ما يقال في المسألة.
و متبوعي فيه الجرمي من المتقدّمين، و ابن مالك من المتأخّرين. فمن كلامهما أخذت، و على ما أشارا إليه اعتمدت. أمّا الجرميّ: فإنّه نصّ على أنّ الواو هنا بمعنى الباء و لكنّه أهمل التنبيه على فائدة هذا العطف. و أمّا ابن مالك [١] فلأنّه ذكر أنّ المقصود التناسب اللفظيّ، و أنّه كالخفض على الجوار، و لكنّه أهمل التنبيه على نيابة الواو عن الباء، و ذلك هو الذي انبنى عليه كون هذا العطف، لا يقتضي التشريك في الحكم. و قد وفّيت بجميع ما قالا، و أضفت إليه ما لم يذكرا ممّا لا بدّ منه.
و يظهر لي أنّ الصواب خلاف ما زعماه، من أنّ المعطوف عليه المبتدأ، و أنّ الصواب أنّه الخبر. و هو قول ابن طاهر؛ و ذلك لأنّه حمل على الأقرب، و أنّ هذا العطف كالخفض في «هذا جحر ضبّ خرب» [٢]، و ذلك يقتضي تجاور الاسمين، و لأنّ الباء
[١] انظر قاعدة (الخفض على الجوار) في المغني (٧٦٠) .
[٢] انظر الكتاب (١/ ١١٣).