الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ٢٠٤
العبقري:
و هذا العبقريّ الذي عليه اتّكاء المؤمنين إلى أيّ شيء نسب، فإنّا كنّا نقول في الدّار الأولى: إنّ العرب كانت تقول إنّ عبقر بلاد يسكنها الجنّ و أنّهم إذا رأوا شيئا جيّدا قالوا: عبقريّ أي كأنّه من عمل الجنّ إذ كانت الإنس لا تقدر على مثله، ثمّ كثر ذلك حتّى قالوا: سيّد عبقريّ و ظلم عبقريّ. قال ذو الرّمّة: [البسيط]
[٧٢٥]- حتّى كأنّ حزون القفّ ألبسها
من وشي عبقر تجليل و تنجيد
و قال زهير: [الطويل]
[٧٢٦]- بخيل عليها جنّة عبقريّة
جديرون يوما أن ينالوا و يستعلوا
و إن كان أهل الجنّة عارفين بهذه الأشياء قد ألهمهم اللّه العلم بما يحتاجون إليه فلن يستغني عن معرفته الولدان المخلّدون، فإنّ ذلك لم يقع إليهم، و إنّا لنرضى بالقليل ممّا عندهم أجرا على تعليم الولدان. فيتبسّم إليهم رضوان و يقول: إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ هُمْ وَ أَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ [يس: ٥٥]، فانصرفوا رحمكم اللّه فقد أكثرتم الكلام فيما لا منفعة فيه، و إنّما كانت هذه الأشياء أباطيل زخرفت في الدّار الفانية فذهبت مع الباطل، فإذا رأوا جدّه في ذلك قالوا: رحمك اللّه نحن نسألك أن تعرّف بعض علمائنا الذين حصلوا في الجنّة بأنّا واقفون على الباب نريد أن نخاطبه في أمر، فيقول رضوان: من تؤثرون أن أعلم بمكانكم من أهل العلم الذين غفر لهم فيشتورون طويلا ثمّ يقولون: عرّف بموقفنا هذا الخليل بن أحمد الفرهوديّ، فيرسل إليه رضوان بعض أصحابه، فيقول:
على باب الجنّة قوم قد أكثروا القول، و إنّهم يريدون أن يخاطبوك، فيشرف عليهم الخليل فيقول: أنا الذي سألتم عنه فما الّذي تريدون؟ فيعرضون عليه مثل ما عرضوا على رضوان، فيقول الخليل: إنّ اللّه جلّت قدرته- جعل من يسكن الجنّة ممّن يتكلّم بكلام العرب ناطقا بأفصح اللّغات كما نطق بها يعرب بن قحطان أو معدّ بن عدنان لا يدركهم الزّيغ و لا الزّلل و إنّما افتقر الناس في الدّار الغرّارة إلى علم اللّغة و النّحو لأنّ العربيّة الأولى أصابها تغيير. فأمّا الآن فقد رفع عن أهل الجنّة كلّ الخطأ و الوهم فاذهبوا راشدين إن شاء اللّه، فيذهبون و هم مخفقون ممّا طلبوه.
[٧٢٥] - الشاهد لذي الرمّة في ديوانه (ص ١٣٦٦)، و لسان العرب (نجد) و (عبقر)، و التنبيه و الإيضاح (٢/ ١٦١)، و تهذيب اللغة (١٠/ ٦٦٦)، و تاج العروس (نجد).
[٧٢٦] - الشاهد لزهير في ديوانه (ص ١٠٣)، و لسان العرب (جدر) و (عبقر)، و تهذيب اللغة (٢/ ٢٩٣)، و أساس البلاغة (جدر)، و تاج العروس (جدر).