الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ١٢
المضمر الذي في الخبر المحذوف صار التقدير: لا إله موجود في حال قيامه بالقسط إلّا هو، فيصير النفي واقعا على الآلهة القائمين بالقسط دون غيرهم، و يوهم هذا الكلام أنّ ثمّ إلها غير قائم بالقسط، كما أنّك إذا قلت: لا رجل موجود سخيّا إلّا زيد، فإنما نفيت الرجال الأسخياء خاصة دون غيرهم، و هذا كفر، فصحّ بجميع ما قدّمناه أنّ قائما لا يصحّ إلّا أن يكون حالا من اسم اللّه تعالى أو من هو، فإن قال قائل: فكيف جاز لكم أن تجعلوه حالا من اسم اللّه تعالى أو من ضميره، و الحال منتقلة و فضلة في الكلام، و هذه الصفة لم يزل اللّه تعالى موصوفا بها و لا يزال؟
فالجواب: أنّه ليس كلّ حال منتقلة و لا فضلة في الكلام كما زعم هذا الزاعم بل من الأحوال ما لا يصحّ انتقاله و لا يجوز أن يكون فضلة، ألا ترى أن النحويين قد أطلقوا الحال على أشياء من القرآن و غيره لا يصح فيها الانتقال، كقوله تعالى: هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً [فاطر: ٣١]، وَ أَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً [الأنعام: ١٥٣]؟ و الحقّ لا يفارقه التّصديق، و صراط اللّه تعالى لا تفارقه الاستقامة، و قالوا في قوله تعالى:
نَعْبُدُ إِلهَكَ وَ إِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ إِلهاً واحِداً [البقرة: ١٣٣]:
إنّه منصوب على الحال من اللّه، و قالوا في قوله تعالى: الم، اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِ [آل عمران: ١- ٣]: إنّها جملة في موضع الحال من اللّه، كأنّه قال: اللّه الحي القيوم نزل عليك الكتاب متوحّدا بالرّبوبيّة، و أجازوا أيضا أن يكون في موضع الحال من الضمير في «نزّل»، و كذلك قول العرب: «ضربي زيدا قائما»، «و أكثر شربي السّويق ملتوتا»، و «دعوت اللّه سميعا»، و نحو ذلك إن تتبّعناه، فإن قال قائل: فكيف صحّ أن تسمّي هذه الأشياء حالا و هي غير متنقلة و الكلام محتاج إليها؟ فالجواب عن ذلك من وجوه كلها مقنع:
أحدها: أنّ الحال شبيهة بالصفة، و الصفة ضربان: ضرب يحتاج إليه الموصوف و لا بدّ له منه، و ذلك إذا التبس بغيره، و ضرب لا يحتاج إليه، و إنّما يذكر للمدح أو الذّمّ أو التّرحّم، فوجب أن تكون الحال كذلك.
و منها: أنّ الشيء إذا وجد فيه بعض خواصّ نوعه و لم يوجد فيه بعضها لم يخرجه عن نوعه نقصان ما نقص منها، ألا ترى أنّ الرسم له خواصّ تخصّه مثل:
التنوين و دخول الألف و اللام عليه و النعت و التصغير و النداء؟ و لم يلزم أن توجد هذه الخواصّ كلّها في جميع الأسماء، و لكن حيثما وجدت كلّها أو بعضها حكم له بأنّه اسم، و كذلك الأحوال في هذه المواضيع فيها أكثر خواصّ الحال و شروطها موجودة فيها، فلا يخرجها عن حكم الحال نقصان ما نقص منها، كما لا يخرج من و ما نحوهما عن حكم الأسماء نقصان ما نقصها من خواصّ الأسماء.