الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ٣٦
لصاحبك: ائت برجل من البصرة، أي كائن منها، و بين قولك: «ائت من البصرة برجل» عثرت على الفرق بين المثالين و زال عنك التردّد و الارتياب».
ثم نقول: إنّ «من» إذا تعلّق بالفعل يكون إمّا ظرفا لغوا و من للابتداء أو مفعولا به و من للتبعيض، إذ لا يستقيم أن يكون بيانا لاقتضائه أن يكون مستقرا و المقدّر خلافه، و على تقدير أن يكون تبعيضا فمعناه: فأتوا بعض مثل المنزّل بسورة، و هو ظاهر البطلان، و على تقدير أن يكون ابتداء لا يكون المطلوب بالتحدّي الإتيان بالسورة فقط، بل يشترط أن يكون بعضا من كلام مثل القرآن، و هذا على تقدير استقامته فبمعزل عن المقصود، و اقتضاء المقام يقتضي التحدّي على سبيل المبالغة و أنّ القرآن بلغ في الإعجاز بحيث لا يوجد لأقلّه نظير فكيف للكلّ؟ فالتحدّي إذا بالسورة الموصوفة بكونها من مثله في الإعجاز، و هذا إنما يتأتّى إذا جعل الضمير لما نزّلنا و من مثله صفة لسورة و من بيانيّة، فلا يكون المأتيّ به مشروطا بذلك الشرط لأنّ البيان و المبيّن كشيء واحد، كقوله تعالى: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ [الحج:
٣٠]، و يعضده قول المصنّف في سورة الفرقان: إنّ تنزيله مفرّقا و تحدّيهم بأن يأتوا ببعض تلك التفاريق كلّما نزل شيء منها أدخل في الإعجاز و أنور للحجّة من أن ينزل كله جملة واحدة، و يقال لهم: جيئوا بمثل هذا الكتاب في فصاحته مع بعد ما بين طرفيه» [١] أي: طوله. انتهى.
و أقول: هذا الكلام مع طول ذيله قاصر عن إقامة المرام، كما لا يخفى على من له بالفنون أدنى إلمام، فلا علينا أن نشير إلى بعض ما فيه، فنقول: قوله: «و على تقدير أن يكون تبعيضا فمعناه فأتوا ببعض مثل المنزّل بسورة و هو ظاهر البطلان» فيه بحث، لأنّ بطلانه لا يظهر إلّا على تقريره، حيث غيّر النظم بتقديم معنى منّ على قوله: بسورة، و هذا إفساد بلا ضرورة، فلو قال: فأتوا بسورة بعض مثل المنزّل على ما هو النظم القرآني، فهو في غاية الصحة و المتانة، و حينئذ يكون قولنا: بعض مثل المنزل بدلا، فيكون معمولا للفعل على ما حقّقناه سابقا حيث قرّرنا على كلام صاحب الكشاف، فارجع و تأمّل.
ثم قوله: «و على تقدير أن يكون ابتداء لا يكون المطلوب بالتحدّي الإتيان بسورة فقط، بل يشترط أن يكون بعضا من كلام مثل القرآن» فيه نظر، لأنّ الإتيان من المثل لا يقتضي أن يكون من كلام مثل القرآن يكون المأتيّ جزءا منه، بل يقتضي أن يكون من نوع من الكلام عال في البلاغة إلى حيث انتهى به البلاغة القرآنية و المأتيّ به يكون فردا من أفراده، و لعمري إنه ما وقع في هذا إلّا لأنّه جعل المثل كلّا له أجزاء
[١] انظر الكشاف (٣/ ٩١).