الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ٣١
لالتقاط للدّرر أغوص في لجج المعاني، و طفقت لاقتناص الغر أعوم في بحار المباني، إذ وقع المحطّ على آية هي معترك أنظار الأفاضل و الأعالي، و مزدحم أفكار أرباب الفضائل و المعالي، كلّ رفع في مضمارها راية و نصب لإثبات ما سنح له فيها آية، فرأيت أن قد وقع التخالف و التشاجر و المناقشة في التعاظم و التفاخر، حتى إنّ بعضا من سوابق فرسان هذا الميدان قدوتنا ضلوا عن سهام الشتم و الهذيان، فما وقفوا في موقف من المواقف أبدا، و ما وافق في سلوك هذا المسلك أحد أحدا، ثم إني ظفرت على ما جرى بينهم من الرسائل و اطّلعت على ما أورد في الكتب من تحقيقات الأفاضل، فاكتحلت عين الفكر من سواد أرقامهم و انفتحت حدقة النّظر على عرائس نتائج أفهامهم، فبينما كنت ناظرا بعين التأمّل في تلك الأقوال إذ وقع سنوح الذهن في عقال الإشكال، فأخذت أحلّ عقدها بأنامل الأفكار، و أعتبر دررها بمعيار الاعتبار، فرأيت أنّ لأسرار قد خفيت تحت الأستار و أنّ الأجلّة ما اعتنقوها بأيدي الأفكار، فما زلت في بساط الفكر أجول، و ما زال ذهني عن سمت التأمّل لا يزول، حتى آنست أنوار المقصود قد تلألأت عن أفق اليقين، و شهدت بصحتها لسان الحجج و البراهين، فشرعت أحقّق المرام و أحرّر الكلام في فناء بيت اللّه الحرام راجيا منه أن لا أزلّ عن صوب الصّواب، و أن لا أملّ عن الاجتهاد في فتح هذا الباب سائلا منه الفوز بالاستبصار عمّن لا تفتر عين فهمه عن الاكتحال بنور التحقيق، و لا يقصر شأو ذهنه عن العروج إلى معارج التّدقيق، فوجدت بعون اللّه لكشف كنوز الحقائق معينا و لتوضيح رموز الدقائق نورا مبينا، ثم جعلت كسوة المقصود مطّرزة بطراز التحرير، ليكون في معرض العرض على كلّ عالم نحرير موردا ما جرى بين الأجلّة عند الطّراد في مضمار المناظرة، و ما أفادوا بعد الاختبار بمسبار المفاكرة، مذيّلا بما سنح لي في الخطر الفاتر و ذهني القاصر متوكّلا على الصّمد المعبود، فإنّه محقّق المقصود بمحض الفيض و الجود.
قال صاحب الكشاف عند تفسير قول اللّه عزّ و جلّ: وَ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ: «من مثل: متعلّق بسورة صفة لها، أي:
بسورة كائنة من مثله و الضمير لما نزّلنا أو لعبدنا، و يجوز أن يتعلّق بقوله: فأتوا و الضمير للعبد» انتهى.
و حاصله أنّ الجارّ و المجرور أعني «من مثله» إمّا أن يتعلّق ب (فأتوا) على أنّه ظرف لغو أو صفة لسورة على أنه ظرف مستقرّ و على كلا التقديرين فالضمير في مثله إمّا عائد إلى ما نزلّنا أو إلى عبدنا، فهذه صور أربع جوّز ثلاثا منها تصريحا منع واحدة