الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ٧
فعطف الأمر على الدّعاء، و هذا كثير، و قد قال سيبويه [١] في باب ما ينصب فيه الاسم لأنّه لا سبيل له إلى أن يكون صفة: «و اعلم أنّه لا يجوز: من عبد اللّه، و هذا زيد الرّجلين الصّالحين، رفعت أو نصبت، لأنّك لا تثني إلّا على من أثبتّه و علمته، و لا يجوز أن تخلط من تعلم و من لا تعلم، فتجعلها بمنزلة واحدة، و إنّما الصّفة علم فيمن قد علمته»، فأبطل جواز هذه المسألة من جهة جمع الصّفتين، و لم يبطلها من أجل عطف الخبر على الاستفهام، و وافقه جميع النحويين على هذه المسألة، و إنّما كان ذلك لأنّ الجمل لا يراعى فيها التشاكل في المعاني و لا في الإعراب، و قد استعمل بديع الزمان عطف الدعاء على الخبر في بعض مقاماته، و هو قوله [٢]: «ظفرنا بصيد و حيّاك اللّه أبا زيد» و ما نعلم أحدا أنكر ذلك عليه، و إذا كان التشاكل يراعى في أكثر المفردات كان أجدر ألّا يراعى في الجمل، ألا ترى أنّ العرب تعطف المعرب على المبنيّ و المبنيّ على المعرب، و ما يظهر فيه الإعراب على ما لا يظهر؟ و في هذا الموضع شيء يجب أن يوقف عليه، و ذلك أن قول النحويين، بأنّ الواو تعطف ما بعدها على ما قبلها لفظا و معنى كلام خرج مخرج العموم، و هو في الحقيقة خصوص، و إنّما تعطف الواو الاسم على الاسم في نوع الفعل أو في جنسه لا في كميته و لا كيفيته، ألا ترى أنّك إذا قلت: ضربت زيدا و عمرا قد يجوز أن تضرب زيدا ضربة واحدة و عمرا ضربتين و ثلاثا فتختلف الكميتان؟ و كذلك يجوز أن تضرب زيدا جالسا و عمرا قائما فتختلف الكيفيتان، و يبيّن ذلك قول العرب: إيّاك و الأسد، فيعطفون الأسد على ضمير المخاطب، و الفعل الناصب لهما مختلف المعنى، لأنّ المخاطب مخوف و الأسد مخوف منه، فجاز العطف و إن اختلف نوعا التخويف، لأنّ جنس التخويف قد انتظمهما، و نحو منه قوله تعالى: فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَ شُرَكاءَكُمْ [يونس: ٧١]، لأنّ الإجماع على الأمر و هو العزم عليه و الجمع الذي يراد به ضمّ الأشياء المتفرّقة و إن اختلف نوعاهما فإنّ لهما جنسا يجتمعان فيه، ألا ترى أنّهما جميعا يرجعان إلى معنى الصّيرورة و الانجذاب؟ ألا ترى أنّ من عزم على الشيء فقد انجذب إليه، و صار كما أنّ الأشياء المتفرقة إذا جمعت انجذب بعضها إلى بعض و صار كلّ واحد منها إلى الآخر؟ و كذلك قول الشاعر [٣]: [مجزوء الكامل]
يا ليت زوجك قد غدا
متقلّدا سيفا و رمحا
[١] انظر الكتاب (٢/ ٥٥).
[٢] انظر مقامات الهمذاني، المقامة البغدادية (٢٠) .
[٣] مرّ الشاهد رقم (١٣٨) .