الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ١٢٦
فحصل خلاف في أنّ «أن يؤذن» ظرف أو حال، فإن جعلناها ظرفا كما قال الزّمخشريّ فقد قال: إنّ «غَيْرَ ناظِرِينَ» حال من «لا تَدْخُلُوا» فهو صحيح، لأنّه استثناء مفرّغ من الأحوال، كأنّه قال: «لا تدخلوا في حال من الأحوال إلّا مصحوبين غير ناظرين» على قولنا، أو: «وقت أن يؤذن لكم غير ناظرين» على قول الزمخشري. و إنّما لم يجعل «غير ناظرين» حالا من (يؤذن)- و إن كان جائزا من جهة الصناعة- لأنّه يصير حالا مقدّرة، و لأنّهم لا يصيرون منهيّين عن الانتظار بل يكون ذلك قيدا في الإذن، و ليس المعنى على ذلك، بل على أنّهم نهوا أن يدخلوا إلّا بإذن، و نهوا إذا دخلوا أن يكونوا ناظرين إناه. فلذلك امتنع من جهة المعنى أن يكون العامل في (يؤذن)، و أن يكون حالا من مفعوله، فلو سكت الزّمخشريّ على هذا لم يرد عليه شيء لكنّه زاد و قال:
وقع الاستثناء على الوقت و الحال معا، كأنّه قيل: لا تدخلوا بيوت النبيّ إلّا وقت الإذن و لا تدخلوها إلّا غير ناظرين» [١] فورد عليه أن يكون استثناء شيئين- و هما الظّرف و الحال- بأداة واحدة، و قد منعه النّحاة أو جمهورهم [٢] و الظاهر أنّ الزّمخشريّ ما قال ذلك إلّا تفسير معنى و قد قدّر أداتين، و هو من جهة بيان المعنى. و قوله: «وقع الاستثناء على الوقت و الحال معا من جهة الصناعة؛ لأنّ الاستثناء المفرّغ يعمل ما قبله فيما بعده، و المستثنى في الحقيقة هو المصدر المتعلّق بالظّرف و الحال، فكأنّه قال: لا تدخلوا إلّا دخولا موصوفا بكذا، و لست أقول بتقدير مصدر هو عامل فيهما؛ فإنّ العمل للفعل المفرّغ، و إنّما أردت شرح المعنى. و مثل هذا الإعراب هو الذي نختاره في مثل قوله تعالى: وَ مَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ [آل عمران: ١٩]. فالجارّ و المجرور و الحال ليسا مستثنيين، بل يقع عليهما المستثنى، و هو الاختلاف، كما تقول: «ما قمت إلّا يوم الجمعة ضاحكا أمام الأمير في داره» فكلّها يعمل فيها الفعل المفرّغ من جهة الصناعة، و هي من جهة المعنى كالشيء الواحد، لأنّها بمجموعها بعض من المصدر الذي تضمّنه الفعل المنفيّ؛ و هذا أحسن من أن يقدّر: «اختلفوا بغيا بينهم»؛ لأنّه حينئذ لا يفيد الحصر، و على ما قلناه يفيد الحصر فيه كما أفاده في قوله: مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ [آل عمران: ١٩]، فهو حصر في شيئين، و لكن بالطريق الذي قلناه، لا أنّه استثناء شيئين بل شيء واحد صادق على شيئين. و يمكن حمل كلام الزّمخشريّ على ذلك؛ فقوله: «وقع الاستثناء على الوقت و الحال معا» صحيح، و إن كان
[١] انظر الكشّاف (٣/ ٢٧٠).
[٢] انظر همع الهوامع (١/ ٢٢٦).