الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ٨
و معناه: و حاملا رمحا، لأنّ التّقلّد نوع من الحمل، و لأجل هذا الذي ذكرناه من حكم العطف بالواو قلنا في قوله تعالى: وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ [المائدة: ٦]، في قراءة من خفض الأرجل: إنّ الأرجل تغسل و الرّؤوس تمسح، و لم يوجب عطفها على الرّؤوس أن تكون ممسوحة كمسح الرؤوس، لأنّ العرب تستعمل المسح على معنيين:
أحدهما: النّضح، و الآخر الغسل، حكى أبو زيد: تمسّحت للصلاة أي:
توضّأت، و قال الراجز:
[٥٧٦]- أشليت عنزي و مسحت قعبي
أراد أنّه غسله ليحلب فيه، فلمّا كان المسح نوعين أوجبنا لكلّ عضو ما يليق به، إذ كانت واو العطف كما قلنا إنّما توجب الاشتراك في نوع الفعل و جنسه لا في كميته و لا في كيفيته، فالنّضح و المسح جمعهما جنس الطّهارة كما جمع تقلّد السيف و حمل الرّمح جنس التّأهّب للحرب و التّسلّح، و هكذا قولنا: بسم اللّه الرحمن الرحيم و صلّى اللّه على سيّدنا محمّد، و إن كان الإخبار و الدعاء قد اختلفا فإنّهما قد اتّفقا في معنى التّقدمة و الاستفتاح أو في معنى التّبرّك و الاستنجاح، فإن قال قائل: قد أنكر النحويون أن يقال: ليت زيدا قائم و عمر بالرفع عطفا على موضع ليت و ما عملت فيه، و هل ذلك إلّا من أجل اختلاف الجملتين بأن إحداهما تصير خبرا و الثانية تمنيا؟ فالجواب: أنّ هذا الذي توهّمته لا يصحّ من وجهين:
أحدهما: أن إنكار النحويين العطف على موضع (ليت) ليس من أجل ما ظننته، و إنّما منعوه لأنّ (ليت) قد أبطلت الابتداء فلم تبق له لفظا و لا تقديرا، و لو كان لليت و معمولها موضع و عطف عمر عليه لم يكن عطف خبر على تمنّ كما توهّمته، و إنّما كان يكون عطف خبر على خبر لأنّ التمني إنما كان لعامل اللفظ دون الموضع لو كان هناك موضع.
و الوجه الثاني: أنّ قولنا: ليت زيدا قائم و عمر لا يعدّ جملتين، و إنما يعدّ جملة واحدة، لأنّ الخبر الذي كان يتم الجملة الثانية سقط استغناء بخبر الاسم الأول، و لو قلت: ليت زيدا قائم و ليت عمرا قائم لكانتا جملتين، و هذا كقوله: قام زيد و قام عمر، فيكون الكلام جملتين، فإذا قلت: قام زيد و عمر صارت جملة واحدة، و يدلّ
[٥٧٦] - الرجز لأبي نخيلة في لسان العرب (قأب)، و بلا نسبة في لسان العرب (شلا)، و مجمل اللغة (٣/ ١٧٤)، و مقاييس اللغة (٣/ ٢٠٩)، و أساس البلاغة (شلو)، و تاج العروس (شلا).